قال صاحب الروضة: الحق أنَ الرَّهْن إذا تلف في يد المرتهن بدون جنايته فهو غير مضمون عليه، وإن كان بجنايته أو تفريطه ضمن. أ. هـ [1]
ومن الفوائد على القاعدة:
هل للمرتهن أنْ ينتفع بالرَّهْن؟؟
الجواب: الأصل أنَ المرتهن لا ينتفع بالرَّهْن في شئ، لئلا يكون قرضًا جر منفعة على المقرِض.
قال الشافعي: إنْ اشترط المرتهن من منافع الرَّهْن شيئا
فالشرط باطل؛ لأنَ ذلك زيادةٌ في السلف. أ. هـ [2]
ولكن يستثنى هنا حالة: أنْ يكون الرَّهْن مما يحتاج إلى نفقة، كمن رهن حيوانًا، فمثل هذا الرَّهن يحتاج إلى ثمن العلف، فللمرتهن هنا
حق الانتفاع بظهره أو بلبنه بقدر ما يُنفق عليه.
عن أبي هريرة (رضى الله عنه) أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الظهر"
يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة". [3] "
(1) وانظر الروضة الندية (2/ 142) وتحفة المحتاج (2/ 266) و التمهيد (3/ 204) ، لاحظ الفرق بين الرهن والعارية، فالرهن كما أوضحنا لا يضمنه المرتهن إن تلف إلا إن كان مفرطًا، أما العارية فعلى الراجح أنَّها مضمونة على المستعير إن تلفت، سواء أفرط في ذلك أم لا، وهو قول الشافعي وأحمد، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -"عارية مضمونة"رواه أبو داود وصححه الألباني، وانظر منار السبيل (1/ 372) وفيض القدير (4/ 298)
(2) ذكره في الأم (4/ 323) وانظرمختصرالمزنى (ص/139)
(3) خ (2511) ت (1254) (1254) جه (2470) ، والقول بانتفاع المرتهن بالرهن في مقابلة النفقة هو قول أحمد وإسحاق خلافًا للجمهور، وهو الراجح، قال ابن القيم:"أخذ أحمد بهذه الفتوى وهو الصواب، وقد ذهب الجمهور أن المقصود بالحديث هو إنتفاع الراهن لا المرتهن واستدلوا بما روي عن أبي هريرة مرفوعًا:"لا يَغْلَق الرهن علي صاحبه، له غنمه وعليه غُرمه"."
قلت: ولكن قول الجمهور مرجوح، ويؤيد هذا مايلي:
1 -رواية أحمد والدارقطني عن أبي هريرة مرفوعًا:"إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يُشرب وعلى الذي يشربه نفقته ويركب"صححه الدارقطني وأحمد شاكروالأرنؤط، فهذه الرواية تقضي على الإجمال الوارد في رواية البخاري، ذكره الطحاوي.
ويؤيده أنّ انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالكًا رقبته، لا لكونه منفقًا عليه بخلاف المرتهن، فلا معنى لكون الراهن يركب ويشرب في مقابل النفقة، فالرهن ملكه، فلا ينفق على ملكه بعوض، أما ما استدل به الجمهور من حديث:"لا يَغلق الرهن على صاحبه"فقد رواه مالك و الشافعي والدارقطني وابن ماجة والبيهقي والأثرم، قال ابن حجر وله طرق كلها ضعيفة، قاله في التلخيص، وقال في بلوغ المرام: والمحفوظ عند أبي دواد إرساله، كما صحح إرساله البزار والدارقطني وابن القطان، قال في النيل: وهذ الحديث مما قد اختلف= =في إرساله ووصله ورفعه ووقفه، وذلك يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح البخاري وغيره. أهـ.، قال ابن حجر: وقد حسّن الحديث ابن حزم وجعله من رواية نصر بن عاصم، وهذا تصحيف، فهو من رواية عبد الله بن نصر الأصم، وله أحاديث منكرة. أ. هـ
قال الألباني: والنفس تطمئن لرواية الجماعة الذين أرسلوه، لا سيما وهم ثقات. أ. هـ، وانظرنيل الأوطار (5/ 234) وعون المعبود (6/ 382) والتلخيص الحبير (3/ 42) وإعلام الموقعين (4/ 376) وشرح السنة (4/ 338) ومعرفة السنن (4/ 436) ونصب الراية (5/ 43) الإرواء (5/ 239) ، ومن أدلة الجمهورعلي عدم القول بما رجحناه قالوا: القياس يرد ذلك، ثم ذكروا كلامًا في بيان ذلك، قلنا: القياس هذا من النظر وقد عارضه ما ظفرنا به من الأثر الصريح عن أحمد، والقاعدة: لا مسوغ للإجتهاد مع مورد، انظرقواعد د. عزام (ص/243) .
فائدة: قال ابن قدامة: وانتفاع المرتهن بالرهن المركوب والمحلوب يعم حال تعذر إنفاق المالك على الرهن وعدمه.
ومال ابن القيم والليث والأوزاعي إلى حمل حديث إنفاق المرتهن على الرهن على حال تعذر إنفاق المالك أو حال تغيبه، والراجح هو قول الحنابلة بأحقية انتفاع المرتهن بالرهن إذا كان محلوبًا أو مركوبًا، وأنّ هذا الانتفاع لا يشترط فيه تعذر إنفاق الراهن وتغيبه؛ وذلك لأنّ هذا تقييد للحديث بلا مقيد وتخصيص بلا مخصص، ذكره في العدة (ص/247) .
فائدة: إذا كان الرهن لا يحتاج إلي نفقة، فعرض المرتهن على الراهن الانتفاع بالمرهون في مقابل أجرة معلومة لمدة معلومة، جازت هذه الصورة إذا كان الرهن عن بيع، لأنه يكون بائعًا للسلعة بالثمن ومنافع الرهن مدة معلومة، فهي بيع وإجارة."ذكره ابن خويز منداد".