ص 13:
والثالثة: وقائع هي محل اجتهاد. وهنا قد يحسن التدخل وقد لا يحسن بناء على معطيات كثيرة، منها طبيعة الخلل الداعي إلى التدخل وحجمه وأثره وديمومته وطبيعة الزوجين، وغير ذلك من المتغيرات التي تؤثر في هذا الشأن.
ولكن مهما يكن من أمر، فإن (( تدخل الأهل في حياة ابنهما الزوجية لملاحظتهما خللا ما ) )ينبغي أن يحتكم إلى القواعد التالية:
أولا: أن لا يكون التجسس على الزوجين أو أحدهما هو وسيلة معرفة هذا الخلل أو وسيلة التأكد من وجوده، لقوله تعالى: (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات:12) وهذا عام في كل الأحوال.
ثانيا: أن تُعطى فرصة للزوجين لمحاولة الإصلاح بنفسيهما قبل التدخل.
ثالثا: أن يكون من صفة الخلل أو العيب أنه دائم أو مستمر لفترة طويلة، أما إذا كان من النوع العارض الزائل فلا ينبغي التدخل.
رابعا: إذا علم الأهل قطعا أو في غالب الظن بأنهم عاجزون عن إصلاح الخلل فحينئذ لا داعي للتدخل لأنه قد يعقِّد المشكلة أكثر.
خامسا: التدرج في عملية التدخل فيُبدأ بالتلميح، فإن لم يُجْدِ، فبالإرشاد نصحا ثم أمرا ونهيا، ثم أساليب الضغط الأخرى إن توافرت. وفي بعض الأحوال لا بد من التوقف عند الأمر والنهي وعدم اللجوء إلى وسائل أقوى للتأثير حتى لو لم يصلح الخلل.
والعلاج الناجع لهذا السبب، أي: تدخل الأهل لإصلاح الخلل المفترض، إنما يكون بتعاهد الزوجين فيما بينهما على حفظ أسرار الزوجية وستر كل منهما عيوب الآخر وتصرفاته وأنهما لن يرفعا أو ينقلا ما يدور بينهما إلى ذويهما إلا إذا استعصى عليهما حل مشكلتهما بنفسيهما بعد إعطاء كل واحد منهما الآخر الفرصة الكافية والمهلة المناسبة لهذا الأمر.
ومن العلاج أيضا مراعاة الزوجين الأعراف السائدة اجتماعيا وعدم الخروج عليها علنا، حتى لو كانت غير منطقية ما دامت مراعاتها لا تُوْقع في الإثم، فعلى سبيل المثال تَعْتَبِر بعض البيئات أو كثيرٌ منها أن قيام الزوج ببعض أعباء الخدمة المنزلية عيبا قادحا في رجولته وشخصيته، وعلامةً على سيطرة الزوجة عليه وتحكمها به. مع أن الشرع والمنطق لا يمنعان من هذا الأمر، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا كان في البيت يكون في مهنة أهله كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها [1] ، لكن مع ذلك ينبغي على الزوج أن يخفي أمام أهله هذا الأمر ولا يجهر بخدمة بيته أمامهم مراعاةً للعرف السائد عندهم، وكذلك على الزوجة أن تراعي هذا الأمر فلا تحدِّث بمعاونة زوجها لها وتتفاخر بذلك. ورحم الله من قال: لا تفعل ما
(1) البخاري، الصحيح، كتاب الأدب، باب كيف يكون الرجل في أهله، ج 5، ص 2245.