فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 37

ص 7:

الغربي في النصف الأخير من القرن العشرين وتذكر على رأسها ضعف الوازع الديني [1] .

ومع أن الأسباب البعيدة للتدخل هي أسبق في الوجود من الأسباب القريبة، والطرح المنطقي يقتضي البدء بذكرها قبل البدء بالأسباب القريبة إلا أني سأبدأ بذكر هذه الأخيرة ثم أتبع ذلك بذكر الأسباب البعيدة. والعلة من ذلك هي أن الأسباب البعيدة لا تؤدي إلى التدخل إلا من خلال الأسباب القريبة، ولا يكمل توضيح أثر الأسباب البعيدة في التدخل إلا مع التعرض لذكر الأسباب القريبة، وبالتالي كان الوقوف على الأسباب القريبة عاملا مهما في شرح الأسباب البعيدة وتوضيحها فاستدعى الأمر هذا الترتيب. وعليه جاء هذا المبحث في مطلبين:

الأول: الأسباب القريبة للتدخل.

والثاني: الأسباب البعيدة للتدخل.

المطلب الأول: الأسباب القريبة للتدخل

وقد وقفنا عن طريق الاستقراء الناقص (القابل لأن يُزاد فيه) على ثمانية أسباب نذكرها لا على الترتيب في أهميتها ودرجة إفضائها إلى التدخل، لأن هذا مما يختلف باختلاف الأحوال الاجتماعية والاقتصادية:

السبب الأول: الغَيْرة:

ترفض الطبيعة الإنسانية مشاركة الغير في الشيء المحبوب. فإذا أحب الإنسان شيئا لم يكن من السهل عليه أن يبذله للآخرين أو يسمح لهم بمشاركته فيه. فإن كان هذا المحبوب شيئا ماديا قابلا للتملك كالمال سُمِّيت هذه الطبيعة أو الغريزة بالأثرة أو الشح، والإنسان مجبول على الشح كما قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ) (النساء:128) . وإن كان الشيء المحبوب غير قابل للتملك كالإنسان سُمِّيت هذه الغريزة بـ (( الغيرة ) ). وهي في الحقيقة شُعبة من شُعَب الشح.

فعندما يتزوج الابن ويبدأ بالانشغال بشؤونه الزوجية تنبعث الغيرة في قلب أمِّه، وتبدأ بالتنامي فمن ثم الاشتعال شيئا فشيئا. وبدافع من هذه الغريزة، وربما يكون ذلك لا شعوريا، تشرع الأم بافتعال الأزمات وإثارة المشكلات تقصد بذلك تبغيض الزوجة إلى ابنها وصرف نظره عنها ليعود إليها. وربما أصبحت سمةً بارزة عند كثير من الأمهات غير المثقفات [2] أنّ الواحدة منهن تكون أشدَّ الناس فرحا وأكثرهم سعيا في زواج ابنها، حتى إذا ما تزوج وانصرف إلى زوجه وخلد إليها صارت شيئا فشيئا من أشدِّ الناس اكتئابا بهذا الزواج وكراهة له. والسبب أنها قبل زواج الابن تتعامل معه بدافع المحبة له والفخر به، أما بعد الزواج فتتعامل معه بدافع الغيرة عليه، وبالتالي، فهي تصب جام سخطها على من سلبه منها وهي الزوجة. ومن هنا

(2) ولا أقصد بغير المثقفات غير المتعلمات أو الأميات، وإنما أولئك النسوة اللاتي لم يحظين بقدر كاف من التوجيه والإرشاد، سواء من الوالدين أو المجتمع، مما يجعلهن فاقدات للتحكم في غرائزهن وعواطفهن. وذلك بغض النظر عن التعليم وعدمه. نعم غالب المتعلمات مثقفات وغالب الأميات غير مثقفات، لكن هذا ليس بقاعدة مطردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت