ص 25:
رُوي ما يشير إلى ذلك عن ابن عباس وأبي الدرداء، رضي الله عنهم، فعن أبي طلحة الأسدي قال: (( كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه أعرابيان فاكتنفاه فقال أحدهما: إني كنت أبغي إبلا لي فنزلت بقوم فأعجبتني فتاة لهم فتزوجتها فحلف أبواي أن لا يضمَّاها أبدا , وحلف الفتى فقال: عليه ألف محرر وألف هدية وألف بدنة إن طلقها , فقال ابن عباس: ما أنا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك ولا أن تعق والديك , قال: فما أصنع بهذه المرأة؟ قال: ابرر والديك ) ) [1] . ورُويت مثل هذه الفتوى بقصة مقاربة عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، فعن أبي عبد الرحمن السلمي: (( أن رجلا أتى أبا الدرداء، رضي الله عنه فقال: إن أمي لم تزل بي حتى تزوجت وإنها تأمرني بطلاقها وقد أبت علي إلا ذاك. فقال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والدتك ولا أنا الذي آمرك أن تطلق، إنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو أضعه ) ) [2] .
وما نلاحظه على هذين الرأيين هو إبرازهما صورة التعارض في المسألة بين بر الوالدين والطلاق (( ما أنا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك ولا أن تعق والديك ) )، والتعبير بهذه الصورة يُوجِّه السائل، بشكل غير مباشر، إلى محاولة حلِّ الخلاف بين أمِّه وزوجته حتى لا يقع في أيٍّ من العقوق أو الطلاق. لكن في النهاية، وبعد إلحاح السائل، أفصح ابن عباس، رضي الله عنهما، بلزوم البر مما يقتضي التطليق. أما أبو الدرداء، رضي الله عنه، فقد وجَّه السائل بصورة غير مباشرة إلى البر عن طريق بيان فضل الوالدين.
وذهب إلى وجوب طاعة الوالدين الشوكاني من المتأخرين حيث قال: (( يجب على الرجل إذا أمره أبوه بطلاق زوجته أن يطلِّقها، وإن كان يحبها، فليس ذلك عذرا له في الإمساك، ويلحق بالأب الأم لأن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، قد بيَّن أن لها من الحق على الولد ما يزيد على حق الأب ) ) [3] .
ثانيا: القول بعدم وجوب التطليق أو حرمته:
روي عدم الوجوب عن الحسن البصري، فقد جاءه رجل فقال: (( إن أمَّه أمرته أن يتزوج ثم قالت له بعد: طلِّقها، فقال له الحسن: إن طلاق امرأتك ليس من برِّ أمك في شيء ) ) [4] . وروي مثل ذلك عن الإمام أحمد، وهو المعتمد في المذهب [5] ، وأما تحريم التطليق فقد روي عن ابن تيمية حيث سُئل عن (( رجل متزوج وله أولاد، ووالدته تكره الزوجة، وتشير عليه
(1) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 4، ص 173.
(2) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 215. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وابن أبي شيبة، المصنف، ج 4، ص 173.
(3) الشوكاني، نيل الأوطار، ج 7، ص 4.
(4) ابن أبي شيبة، المصنف، ج 4، ص 173.
(5) ابن مفلح، الآداب الشرعية، ج 1، ص 448. والمرداوي، الإنصاف، ج 8، ص 430