ص 27:
1.ما رواه أصحاب السنن عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: (( كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أبي أن أطلقها، فأبيت فذكرت ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عبد الله بن عمر طلِّق امرأتك ) ) [1] .
2.قصة إبراهيم عليه السلام عندما أمر إسماعيل عليه السلام بتطليق زوجته فطلقها [2] .
3.والآثار التي سبق أن أوردناها عن عبد الله بن عباس وأبي الدرداء، رضي الله عنهم [3] .
ونلاحظ على الأدلة الجزئية أنها تصب في صالح القول القاضي بوجوب طاعة الوالدين.
نبدأ بالأدلة الكلية ثم ننتقل إلى الأدلة الجزئية:
مناقشة الأدلة الكلية:
أولا: مناقشة الدليل الأول من الأدلة الكلية وهو أصل بر الوالدين:
لا شك في قوة هذا الأصل وتعدُّد النصوص الداعمة له وكثرتها، لكن تعترض هذا الأصل ثلاث قضايا تضعف ـ إلى حد ما ـ من تأثيره في مسألتنا هذه.
القضية الأولى: الأصل القاضي بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهو أصل تدعمه أدلة كثيرة، وهو يرد قيدا على أصل بر الوالدين بل على جميع الأصول التي تقضي بالطاعة. ومقتضى هذا الأصل أن لا يجب على الابن طاعة والديه إذا ما أمراه بالطلاق في حال كون الطلاق معصية. وبالتالي نجد أن تقييد هذا الأصل لأصل بر الوالدين يتوقف في نهاية الأمر على حكم الطلاق: فحيثما كان الطلاق واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها لم يؤثر هذا الأصل في الأصل السابق بل تجب طاعة الوالدين، وحيثما كان الطلاق حراما نفع هذا الأصل وألغى تأثير الأصل السابق. لكن ما هو حُكم الطلاق؟
بعيدا عن الأحوال الاستثنائية التي تؤثر في حكم الطلاق وجوبا أو ندبا أو إباحة أو كراهة أو حرمة لا بد لنا من معرفة حكم الطلاق في الظروف العادية. أي ما هو الأصل في الطلاق. والذي نجده في الكتب الفقهية هو الخلاف في هذه المسألة، حيث رأى بعض الحنفية والحنابلة أن الأصل في الطلاق هو
(1) الترمذي، السنن، ج 3، ص 494. وقال حسن صحيح. وأبو داود، السنن، ج 4، ص 335. والبيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 332. والحاكم، المستدرك، ج 2، ص 215. وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(2) في حديث طويل رواه البخاري عن ابن عباس موقوفا. ومما جاء فيه: فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ، عليك السلام، ويقول: غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك: الحقي بأهلك، فطلقها. البخاري، الصحيح، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا، ج 3، ص 1229.
(3) انظر ص 20.