ص 28:
الحظر، ورأى غيرهم أن الأصل هو الإباحة وقال البعض بأن الأصل هو الكراهة [1] .
ولن نستطيع في هذه العجالة أن نحفر عميقا في هذه المسألة، ولكننا نحب أن نشير إلى أمرين مهمين يجب أخذهما بعين الاعتبار عند الخوض في هذه المسألة:
الأمر الأول: ينبغي أن نفهم النصوص الواردة في هذه المسألة ضمن سياقها الاجتماعي، أي في ظل الظروف والعادات والأحوال التي كانت تسود البيئة العربية في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم. والذي يمكننا الجزم به أن المفاسد المترتبة على الطلاق في ذلك العصر وذلك المجتمع كانت أقل بكثير من المفاسد المترتبة على الطلاق في أكثر المجتمعات المعاصرة الآن. فمثلا: بالنسبة لضياع الأولاد ـ وهو أشد مفاسد الطلاق ـ لا نجده يحدث في المجتمعات (( البسيطة ) )كمجتمع المدينة الأول بنفس القدر الذي يحصل الآن؛ وذلك لأسباب كثيرة: منها شيوع وجود الأسر الممتدة والتي توفر إلى حد ما بديلا عن الأب أو الأم في عملية التربية، ومنها قلة أسباب الفساد ووسائله في ذلك العصر مقارنة بهذه العصور، ومنها شيوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك المجتمع بخلاف ما هو الحال عليه الآن، ومنها: معرفة أفراد المجتمع بعضهم بعضا لقلة العدد ونمط السكنى القائم حيث يسكن الإنسان في ظل العائلة والقبيلة غالبا، وهذا يوفر عينا رقابية من قبل الأفراد بعضهم على بعض مما يحد من تعرض الأولاد للضياع الاجتماعي والخلقي، ومنها قلة تكاليف تربية الأبناء وصغر سن استقلال الفرد بنفسه اقتصاديا وانتشار الزواج المبكر، وهذا كله من شأنه أن يساعد في حفظ الأولاد من الضياع بطريق مباشر أو غير مباشر.
ومثلا بالنسبة لمفسدة ضيق فرص الزواج على المرأة المطلقة، وهو ضرر كبير للطلاق يقع عليها، حيث تقل فرصتها للزواج الثاني، ويترتب على هذا الضرر مفاسد كثيرة نفسية واجتماعية. فالذي يبدو لي أن هذا الضرر وهذه المفسدة لم تكن أيضا بذلك القدر في مجتمع المدينة الأول، وهي لا تقاس على الإطلاق بأوضاعنا الحالية التي تتأزم فيها مشكلة العنوسة. ولذلك أسباب كثيرة منها: قلة تعقيدات الحياة في المجتمع السابق، فالزواج لا يحتاج إلى كثير من التكاليف مما يشجع على الزواج، ومنها شيوع التعدد، وبالتالي يقل عدد النساء غير المتزوجات بالنسبة للرجال وإذا قل العرض زاد الطلب، ومنها النمط الاقتصادي السائد حيث كانت تُعد المرأة عنصر إنتاج كبير في ذلك العصر فهي تقوم بأعباء كثيرة في البيت وفي الحقل وغير ذلك، مما يجعلها مطلوبة أكثر. ولكي ندرك حقيقة هذا الذي ذكرته فلنعد بالذاكرة قليلا إلى أجدادنا الذين كانوا يعيشون في القرى، فقد كانت المرأة عملة نادرة وصعبة كما قال لي ذلك أحد كبار السن الذين سألتهم عن سبب زواجه من امرأة مطلقة. أما في مجتمعاتنا المعاصرة، فبسبب نمط الحياة الاقتصادي الذي يقوم على الوظيفة وليس على الإنتاج الفردي،
(1) انظر: الشيرازي، المهذب، ج 2، ص 78. وابن قدامة، المغني، ج 7، ص 277. وابن نجيم، البحر الرائق، ج 3، ص 252. والحطاب، مواهب الجليل، ج 4، ص 19.