ص 29:
وفي ظل تفشي البطالة بين النساء والرجال عموما، فقد فقدت أكثر النساء الحافز المادي الذي كان يدعو كثيرا من الرجال إلى الزواج منهن.
وعليه فمفاسد الطلاق في عصر الرسالة ليست كمثلها في عصرنا بل لا تُقارن بها، وإذا كنا نؤمن بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الأزمان، وبقاعدة النظر في مآلات الأفعال فينبغي علينا أن نأخذ هذا التغير في الأحوال بعين الاعتبار عند خوضنا في حكم الطلاق.
الأمر الثاني: عند النظر في الأدلة التي يذكرها الفقهاء تدعيما لرأيهم في إباحة الطلاق أو تحريمه من حيث الأصل ينبغي علينا أن ننتبه لنوع الطلاق الذي ينطوي عليه النص: هل هو طلاق قبل الدخول أو بعد الدخول، وهل هو رجعي أو بائن. فمما لا شك فيه أن المفاسد المترتبة على طلاق المدخول بها أو الطلاق البائن أكبر بكثير من المفاسد المترتبة على الطلاق قبل الدخول أو الطلاق الرجعي، فلا يجوز أن نستدل مثلا بقوله تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة) (البقرة:236) على إباحة الطلاق مطلقا كما يفعل البعض؛ لأن هذا النص هو في المطلقات قبل الدخول، وكذا لا نستطيع أن نستدل بطلاق النبي، صلى الله عليه وسلم، لابنة الجون [1] أو لحفصة، رضي الله عنهما، على إباحة الطلاق لأن الأول كان طلاقا قبل الدخول وأما الآخر فكان رجعيا.
القضية الثانية التي تعترض أصل بر الوالدين: هي سيولة هذا الأصل بحيث لا يُستطاع الوقوف على ضابط معتبر يفرِّق بدقة بين ما يُعتبر برا وما يعتبر عقوقا. وهو ما طرقه الفقهاء قديما تحت مسمَّى (( ضابط العقوق ) )فقال الإمام العز: (( ولم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنَّ ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما وما يجب للأجانب فهو واجب لهما، ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو على عضو من أعضائه ) ) [2] .
وقال ابن الصلاح: (( العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق ) ) [3] .
وقال البلقيني: (( العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرما من جملة الصغائر , فينتقل
(1) وقد اختُلف في اسمها على أقوالٍ شتَّى، وقد اختلف في سبب تطليق النبي، صلى الله عليه وسلم، لها قبل أن يدخل بها. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 357.
(2) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 20.
(3) نقله عنه: النووي، شرح صحيح مسلم، ج 2، ص 87.