ص 18:
المحمودة المترتبة علي الوثاقة كالتدخل الضار، فهذا يمكن علاجه ببذل المزيد من التوعية والتوجيه. وطبيعة الأشياء في هذه الدنيا تقتضي وجود الإيجابيات والسلبيات معا؛ إذ لا توجد مصالح محضة ومفاسد محضة، وإنما العبرة بغلبة المفاسد أو غلبة المصالح، كما جلَّى ذلك الإمام الشاطبي [1] .
تسود في كثيرٍ من الأوساط النظرة إلى المرأة على أنها مجرَّد جارية وظيفتها هي فقط إمتاع الزوج وخدمته وطاعته، فهي وكل ما تملك له وإليه. وهذه النظرة تؤدي، فيما تؤدي إليه، إلى تدخل أهل الزوج في الحياة الزوجية لابنهم إذا ما أحسُّوا أن زوجته تجاوزت هذه الوظيفة، كأن تكون عاملة مثلا ثم ترفض أن تمنح مالها لزوجها، أو تمتنع أو تقصِّر في خدمة أهل زوجها معتبرة أن هذا الأمر ليس من واجبها. وهذا السبب البعيد من أسباب التدخل هو مرجعٌ تستند إليه كثير من حالات السبب القريب للتدخل الذي هو التدخل لإصلاح خلل مفترض يشوب العلاقة الزوجية؛ إذ تقدير الخلل غالبا ما تحكمه النَّظرة السائدة عند كل من أهل الزوج والزوجة إلى وظيفة الزوج وحقوقه ووظيفة المرأة وحقوقها. ويرتبط هذا السبب البعيد من أسباب التدخل بالسبب التالي له وهو:
السبب الخامس: صراع الأجيال:
بسبب التحولات الاجتماعية الهائلة التي اجتاحت كثيرا من الدول النامية، ومنها الدول العربية والإسلامية، وبسبب الطبيعة السريعة للتطور في هذا الزمن في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، اتسعت الفجوة بين الآباء والأبناء في الأفكار والتوجهات والاهتمامات. وإذا كان بعض الآباء يراعي الطبيعة الخاصة لجيل الأبناء وزمانهم فإن الغالبية منهم لا تنتبه لذلك فيحاولون فرض أعرافهم وأفكارهم ونظراتهم على أبنائهم حتى المتزوجين منهم. وهذا يشكل أرضية واسعة لتدخل الأهل في حياة الزوجين. فعلى سبيل المثال إذا كانت أم الزوج من الجيل القديم الذي كان يرضى بالقليل ويتحمل الأعباء الأسرية الكثيرة التي تتعلق بالزوج وأهله فإنها تطمح أن تكون زوجة ابنها بهذه المثابة، حتى إذا رأتها على خلاف ذلك لم يعجبها الأمر وتبدأ بالتدخل. والحقيقة أن كثيرا من اختلافات وجهات النظر التي تنشأ بين زوجة الابن وأم الزوج مردُّها النهائي لاختلاف الأجيال، وعدم تقدير الأم للطبيعة الجديدة لجيل الزوجة وزمنها أو العكس.
السبب السادس: أسلوب التنشئة الاجتماعية:
إذا ربَّى الأهل ابنهم أو ابنتهم على الاستقلال والاعتماد على الذات، وربَّوْا فيه قوة الشخصية والثقة بالنفس فإن مثل هذا الابن أو البنت سيكون أقل عرضة لتدخل الأهل. أما إذا كان الأمر بالعكس بأن رُبِّي الابن أو البنت على الاتكالية وضعف الشخصية وعدم
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 20.