ص 17:
بحيث لا يحتاج إلى طول كلام. وهو من أعظم الأسباب وأهمها في تماسك الأسرة عند المسلمين عموما.
الثاني: السبب الاجتماعي، فالقَبَلِيَّة السائدة في كثير من البلاد الإسلامية تدفع باتجاه تماسك الأسَر، لأن الخروج عن طاعة الأسرة هو بالتالي خروج عن القبيلة، إذ إن تمثيل الفرد في القبيلة إنما هو من خلال أسرته، والخروج عن القبيلة له عواقبه الاجتماعية التي هي السبب أصلا في وجود النِّظام القبلي نفسه وتأثيره.
والثالث: السبب المادي، حيث إن الحالةُ الاقتصادية السائدة في أكثر المجتمعات الإسلامية، تدفع باتجاه عدم استقلال الأفراد في بناء كياناتهم الاقتصادية بعيدا عن والديهم، مما يجعلهم أكثر لصوقا بهم.
أما في حالة الفقر وهو السائد في أكثر البلاد الإسلامية فاعتماد الابن على والديه من الناحية المادية واضح كل الوضوح بسبب البطالة المرتفعة التي تعاني منها أكثر البلاد الإسلامية وكذا الأجور الضعيفة والتي لا تمكِّن الأبناء من الانفراد بتكوين كيانات اقتصادية مستقلة عن آبائهم.
وأما في حالة الغنى، فنمط الغنى السائد في كثير من الدول الإسلامية هو الغنى الطَّفْري المفاجئ أو القائم على العظامية لا العصامية، ولذلك يصحبه الإسراف والبذخ وعدم تقدير النعمة في الغالب، مما ينعكس على الأبناء بضعف مستواهم التعليمي والثقافي والمهْني لعدم وجود الحافز المادي لديهم لتحصيل العلوم والخِبْرات، وفي الوقت نفسه توافر الكثير من المغريات والملهيات التي تُهيِّئُها الثروة والتدليل الزائد من قِبَل الآباء. ومن هنا ينشأ الابن ويَشِب ويشيب معتمدا على ثروة والده لعدم أهليته للاستقلال وإيثاره الراحة بدل التعب. وبهذا نجد أنَّ السبب المادي يلعب دورا كبيرا في وثاقة العلاقة الأسرية في حالتي الفقر والغنى على حدٍّ سواء [1] .
وعلى الرغم من الآثار الإيجابية التي لا تُحصى تربويا واجتماعيا لوثاقة العلاقة الأسرية العربية والإسلامية حتَّى في مجال الحد من حالات الطلاق إلا أنه لا مناص من الاعتراف بأن التدخل في شؤون الحياة الزوجية للأبناء بشقيه النافع والضار هو أيضا أحد الآثار لهذا الوثاقة. وهذا لا يعني بحال أنا ننتقد وثاقة العلاقة الأسرية العربية والإسلامية بل على العكس نحن ندعو إلى المزيد منه، لكن على أن يكون ذلك بالتركيز والتقوية للعامل الديني ـ دون العاملين القَبَلي والمادي ـ عن طريق دعم الوعظ والإرشاد الديني والتعليم والتربية الدينية الحقيقية وتشجيع ذلك كله وتطويره. أما بالنسبة للآثار غير
(1) ولعلَّه ليس من المصادفة أن تجتمع ثلاثية: العقيدة (السبب الديني) ، والقبيلة (السبب الاجتماعي) والغنيمة (السبب المادي) ، للتحكم في كيان الأسرة وتوجيهه وتثبيته، كما اجتمعت من قبل للتحكم في بناء العقل السياسي العربي كما زعم ذلك الأستاذ الجابري (الجابري، العقل السياسي العربي، الصفحة الأخيرة من المدخل) ؛ لأن البناء الأسري العربي هو نموذج مُصغَّر عن البناء السياسي ككل، مع لفت النظر إلى تفاوت تأثير هذه الموجِّهات ما بين الأسرة والعقل السياسي، خصوصا العقل السياسي العربي المعاصر المتعلمن الذي جعل ـ إلا ما رحم ربي ـ (( تشجيعَ الدين ) )في قاع السلم بالنسبة لأولوياته، و (( محاربتَه ) )على رأسها.