ص 30:
بالنسبة إلى أحد الوالدين إلى الكبائر، أو يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل فيه الخوف على الولد بفوات نفسه أو عضو من أعضائه ... )) [1] . وقال: (( أما مخالفة أمره أو نهيه فيما لا يدخل على الوالد فيه ضرر بالكلية , وإنما هو مجرد إرشاد للولد , فإذا فعل ما يخالف ذلك لم يكن عقوقا وعدم مخالفة الوالد أولى ) ) [2] .
وقال الهيتمي: (( هو أن يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين أي عرفا ـ ويحتمل أن العبرة بالمتأذي ـ ولكن لو كان في غاية الحمق أو سفاهة العقل فأمر أو نهى ولده بما لا يُعد مخالفته فيه في العرف عقوقا لا يفسق ولده بمخالفته حينئذ لعذره , وعليه فلو كان متزوجا بمن يحبها فأمره بطلاقها، ولو لعدم عفتها، فلم يمتثل أمره لا إثم عليه ) ) [3] .
وقال القرافي: (( كل ما يجب للأجانب يجب للوالدين وضابط ما يختص به الوالدان دون الأجانب هو اجتناب مطلق الأذى كيف كان إذا لم يكن فيه ضرر على الابن ووجوب طاعتهما في ترك النوافل وتعجيل الفروض الموسعة وترك فروض الكفاية إذا كان ثم من يقوم بها. وما عدا ذلك لا تجب طاعتهم فيه وإن نُدب إلى طاعتهم وبرهم مطلقا ) ) [4] .
ولسنا بصدد ذكر الفروق بين كل هذه الضوابط التي وردت ولكن يمكننا القول بناء عليها: مع وجود هذه السّيولة وعدم الانضباط في أصل بر الوالدين لا يمكن الاستدلال به على وجوب طاعة الولد لوالده إذا أمره بالطلاق، لأنه لم يرد توقيف واضح في بيان ضابط العقوق بحيث نعرف أن مخالفة الولد لوالده في هذا الشأن هي من العقوق أم لا.
القضية الثالثة التي تعترض أصل بر الوالدين: الأصل القاضي بمنع التعسف في استعمال الحق، حيث يقضي هذا الأصل بمنع الأفراد من استعمال حقوقهم إذا ما أدى هذا الاستعمال إلى الانحراف بالحق عن غايته كأن يفضي إلى نتائج ضررية [5] . ومن هنا نجد أن متأخري الشافعية اشترطوا في طاعة الوالد في الطلاق أن لا يكون الوالد متعنِّتا، وأن لا يلزم عن الطلاق مشقة للابن [6] . ومما يدل على ذمِّ الشريعة للتعسف في خصوص طاعة الأبناء للوالدين في نطاق النكاح: نهيه سبحانه وتعالى عن عضل الأولياء بناتهم بمنعهن من الزواج من الأكفاء، وهذه صورة واضحة من صور التعسف في استعمال حق الولاية. فإذا كان لا يحق للأولياء، ومنهم الوالدان، المنع من زواج بناتهم إذا أردنه ابتداء فلا يصح لهم إنهاء هذا الزواج إذا أردن استمراره من باب أولى، إذ الضرر في الحالة الأولى أخف منه في الحالة الثانية.
(1) نقله عنه: الهيتمي، الزواجر عن اقتراف الكبائر، ج 2، ص 116.
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) القرافي، الفروق، ج 1، ص 149.
(5) انظر: الدريني، نظرية التعسف في استعمال الحق، ص 87.
(6) انظر أقوال الفقهاء ص 19 من هذا البحث.