فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 37

ص 31:

ثانيا: مناقشة الدليل الثاني من الأدلة الكلية: أصل كراهة الشريعة للطلاق:

ويقضي هذا الأصل بعدم وجوب طاعة الوالدين إذا أمرا بالطلاق. ومما يُضعِف الاستدلال بهذا الأصل أمران:

أحدهما: تردُّد الفقهاء في مدى اعتبار هذا الأصل، بل ذهب الجمهور إلى إباحة الطلاق حتى لو كان من غير سبب.

والآخر: أن هذا الأصل يتعارض في هذه المسألة مع أصل حفظ الرابطة النسبية. فحفظ الأسرة، كما أسلفنا، ينطوي على مقصدين: حفظ الرابطة النسبية وحفظ الرابطة الصهرية، وحفظ الرابطة النسبية أولى بالاعتبار من حفظ الرابطة الصهرية، فإذا كان الشخص مخيَّرًا بين الإمساك بزوجه وبين الإبقاء على علاقته بوالديه فحفظ الرابطة النسبية مع والديه أولى من حفظ الرابطة الصهرية مع زوجه.

ثالثا: مناقشة الدليل الثالث من الأدلة الكلية: وهو أصل قصد الشريعة إلى عدم وقوع الضرر، وإلى رفع المشقة:

والحقيقة أن هذا الدليل ينطوي على أصلين: منع الضرر ومنع المشقة، وهما أصلان ركينان في الشريعة. وفي خصوص مسألة طاعة الوالدين إذا أمرا بالطلاق يقتضي هذان الأصلان عدم وجوب طاعة الوالدين إذا كان في الطلاق ضرر أو مشقة يلحقان الابن أو أسرته. ويصعب أن نتصور طلاقا يخلو من الضرر والمشقة، إلا أن يكون مثلا قبل الدخول ولا تعلق لأحد الزوجين بالآخر، وهما يجدان فرصا أخرى أفضل للزواج.

ومما قد يضعف الاستدلال بهذا الأصل زعم تعارض الأضرار والمشقات. فإذا كان في طلاق الابن لزوجته ضرر ومشقة فكذلك فإن في إمساكها مع عدم رضا والديه ضررا ومشقة نفسية واجتماعية تلحق بالابن ووالديه. فليس اعتبار الضرر والمشقة قاصرا على أسرة الابن بل أسرة الوالدين هي أيضا جديرة بالاعتبار، بل ربما يكون من الأولى اعتبارها.

مناقشة الأدلة الجزئية:

أما حديث ابن عمر وهو أقوى الأدلة في المسألة وأصرحها فيُناقش من عدة وجوه:

أحدها: أنه قضية عين تنطوي على الكثير من الاحتمالات التي تمنع من تعميم الحكم في جميع الأحوال، فتطرُّق الاحتمال إلى الواقعة يمنع من تعميمها كما هو مقرَّر أصوليا [1] . ومن هذه الاحتمالات أنه ربما يكون النبي، صلى الله عليه وسلم، قد اطلع على السبب الذي من أجله أمر عمر ابنه بطلاق زوجته فوجده سببا وجيها، لذلك أمر ابن عمر بالطاعة، ومنها أن الحديث لم يفصح عن طبيعة الطلاق من حيث هل هو قبل الدخول أو بعده، وهل يوجد أولاد أم لا. فربما كان طلاقا قبل الدخول وهذا يُتساهل فيه ما لا يُتساهل في غيره.

(1) قال الشيرازي، اللمع، ص 29: (( القضايا في الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها ) ). وقال الزرقاني، شرح الموطأ، ج 2، ص 313: (( وقائع العين لا عموم لها لما يطرقها من الاحتمال ) ). وقال الشوكاني، نيل الأوطار، ج 3، ص 283: (( قد تقرر في الأصول أن وقائع الأعيان لا يُحتجُّ بها على العموم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت