ص 32:
والثاني: احتمال الخصوصية بمن هو مثل عمر رضي الله عنه في العدالة. ولذلك سأل رجل الإمام أحمد فقال: (( إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي قال: لا تطلقها قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته. قال: حتى يكون أبوك مثل عمر، رضي الله عنه ) ) [1] . ولا يقال هنا: إن دعوى الخصوصية لا دليل عليها والأصل هو عدم التخصيص؛ لأنا نقول: الخصوصية التي لا يجوز ادعاؤها بدون دليل هي الخصوصية بشخص ونحن هنا لا نخصص بشخص بل بوصف وهو العدالة، ودليل هذا التخصيص هو المناسبة بين هذا الوصف والحكم، فالعدالة إن وجدت تمنع الأب من الافتئات على الزوجة وظلمها، وبالتالي فهو لن يأمر بطلاقها سَفَها.
والثالث: أنه يُحتمل أن يكون الأمر في النص للندب وليس للوجوب. وإذا كان جمهور الأصوليين ذهب إلى أن الأمر يدل على الوجوب حتى تصرفه القرينة إلى غير ذلك فإن عددا ليس بالهين من فحول الأصوليين ذهبوا إلى خلاف ذلك: كأن يكون دالا على الندب ابتداء كما هو رأي أصوليي المعتزلة أو هو مشترك بين الندب والوجوب أو متوقف فيه كما هو رأي الأشعري والباقلاني والغزالي وأبي منصور الماتريدي، وأيَّده الشاطبي [2] .
وأما قصة إبراهيم، عليه السلام، مع زوجة إسماعيل فالحديث، وإن كان في حكم المرفوع إلا أن وقفه ورفع أجزاء منه بعينها واختلاف رواياته من حيث ذكر سبب أمر إبراهيم، عليه السلام، لإسماعيل بالطلاق يوحي بتصرف الراوي فيه. ثم إنه ترد عليه أكثر الاحتمالات والاعتراضات التي أوردناها على حديث ابن عمر. وفوق هذا كله فهو شرع من قبلنا وفي الاستدلال به خلاف كبير.
وأما الآثار فهي أيضا قضايا أعيان تنطوي على جملة من الاحتمالات تضعف من التعميم. وفوق هذا فهي من رأي الصحابي والاحتجاج به محل نقاش بين الأصوليين.
رأي الباحث:
والذي نميل إليه ونراه في هذه المسألة بعد ما سبق كله هو أننا لا نستطيع إعطاء حكم عام ينطوي على جميع أفراد هذه المسألة بل لكل مسألة نظر خاص تؤثر فيه عوامل مختلفة ينبغي على المفتي أو المستفتي أخذها بعين الاعتبار:
أحدها: الطلاق المأمور به هل هو قبل الدخول أم بعده، وإذا كان بعد الدخول فهل ثمة أولاد بين الزوجين أم لا. فكلما كانت العلاقة الزوجية أعمق بالدخول أو بالإنجاب فهي تحتاج إلى موجب قوي لفكها.
العامل الثاني: سبب أمر الأب أو الأم بالطلاق. هل هو سبب وجيه أم لا؟ وهل في استدامة عقد النكاح ضرر مادي أو معنوي يلحق بهما. أم أن الأمر هو لصالح الابن فحسب.
العامل الثالث: درجة إصرار الأب أو الأم على الطلاق، مضافا إلى ذلك طبيعتهما النفسية من حيث هل هما ممن يرضى بعد حين أم ممن يدوم سخطه ويستمر عتبُه.
(1) ابن مفلح، الآداب الشرعية، ج 1، ص 488.
(2) انظر تفصيلات هذه الآراء عند: الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 169. وانظر الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 210.