فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 37

ص 22:

الرابطة النسبية لا في مواجهتها. ومن هنا جاء اشتراط الولي في عقد النكاح، وجاء أيضا اعتبار الكفاءة: دينا ونسبا ومالا وحِرفة، لأن هذا من شأنه أن يضمن رضا أهل الزوج والزوجة عن الوافد الجديد عن طريق الرابطة الصهرية.

وتأسيسا على ما سبق، فإنا لا نرى في النزوع المستمر لقوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية إلى الحد من ـ أو حتى إلغاء ـ اعتبار الولي والكفاءة في عقد النكاح ما يتمشى مع مقاصد الشريعة في حفظ الأسرة. ومن ناحية واقعية فإن الزواج الذي لا يُعتبر فيه رضا أهل الزوج والزوجة على حد سواء، يكون هشَّا وأكثر عرضة للتفكك والطلاق، والسبب في ذلك أنه قام على تأسيس الرابطة الصهرية على حساب الرابطة النسبية، والرابطة الصهرية وحدها لا تقوى على الحفاظ على الأسرة وحمايتها؛ لأنها رابطة غير مُتجذرة في النفس بل تتذبذب في قوتها مع مدى الانسجام بين الزوجين. هذا فضلا عن كونها في مرمى ومواجهة الرابطة النسبية التي تدفع باتجاه التدخلات الهجومية المتكررة للأهل غير الراضين عن الزوج الوافد أو الزوجة الوافدة. وإذا بدا في بعض الأحيان خُفُوت في الرابطة النسبية وقوة في الرابطة الصهرية، كوجود شخص يحب زوجته ويحترمها كثيرا بينما علاقته بأهله يبدو أنها ليست بذاك، فهذا كثيرا ما يكون مؤقتا ولا يستمر، لأن الحب الغامر والقوي الذي تُبتَدأ به بعض الزيجات يخفت طبيعيا مع مرور الزمن [1] ، وحينئذ تبدأ الرابطة النسبية التي كان الزوج قد أهملها بالتأثير فيه، فتعمل على جذبه إلى ركبها مرة أخرى حتى لو كان ذلك على حساب الرابطة الصهرية التي نشأت في مواجهة الرابطة النسبية. ومن أصدق الأمثال الشعبية تعبيرا عن حال عودة الإنسان إلى أهله وطبعه حتى وإن ترك ذلك فترة من الزمن: (( كل واحد بِحِنْ(أو بِرْجَع) لأصله )).

أما ما يتذرع به دعاة حقوق الإنسان وتحرير المرأة من أن اعتبار رضا الأهل في زواج الأبناء هو مما ينافي حق الإنسان وحريته في الاختيار والارتباط بمن يشاء وكيف يشاء، فهذا صدى للتغريب ومحاولة نقل ساذجة ومجتزأة للتجربة الغربية في مجال الأسرة إلى المجتمعات الإسلامية، مع البون الشاسع في طبيعة الترابط بين الأفراد ما بين المجتمعين الإسلامي والغربي. ومكمن الضعف في هذه الدعوات بالإضافة إلى ما ذكرناه من قفزها فوق الفروق الطبيعية بين المجتمعات هو أنها التفتت إلى حق الفرد وحريته ولم تنظر في الوقت نفسه إلى حق الأسرة وحفظها. وما دام هؤلاء الدعاة لا

(1) في دراسة له على الأزواج حديثي الزواج توصل الأستاذ هستون من جامعة تكساس إلى أن: الأزواج الذين يبدأ زواجهم بالرومانسية والغرام هم أكثر ميلا إلى الطلاق فيما بعد، وذلك لأنه يصعب الحفاظ على الرومانسية بعد الزواج بقوتها الابتدائية. ثم يقول: صدق أو لا تصدق: الزواج الذي يبدأ بنسبة أقل من الرومانسية الهوليودية (نسبة إلى أفلام هوليود) يُبشر أكثر بمستقبل واعد. انظر المقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت