فذهب الحنفية والمالكية: إلى أنه لا يجوز لبائع الطعام أن يأخذ من مبتاعه منه في ثمنه طعامًا إذا حلّ الأجل؛ لأن الطعام بالطعام لا يجوز فيه النسأ؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: (( الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعيِرُ باِلشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ باِلتَّمْرِ، وَالمِلْحُ باِلمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَواَءٍ يَدًا بِيَداٍ ) ) [1] .
فلما كان ذلك نسيئًا اقتضى أن لا يكون جائزًا.
وذهب الشافعية والحنابلة: إلى من باع طعامًا إلى أجل فحل الأجل، فلا بأس أن يأخذ بالثمن طعامًا؛ لأنه يأخذ منه الطعام بالثمن الذي له عليه لا بالطعام، فلو أراد أن يأخذ ثمن الدين المؤجل عوضًا من نقد أو عرض قبل حلوله لم يصح، أما تقديم الدين نفسه فيجوز لأنه لا يملك المطالبة به قبل الحلول فكأنه أخذ العوض عما لا يستحقه [2] .
نخلص في هذه المسألة إلى أنّ الحنفيّة والمالكيّة وافقوا سعيد بن المسيّب في عدم جواز بيع الرّجل طعامًا بذهب إلى أجل، ثمّ يشتري بالذّهب طعامًا قبل أن يقبض الذّهب، وخالفه الشّافعيّة والحنابلة، فأجازوا ذلك.
خامسًا: المناقشة والترجيح
وبعد النظر إلى أقوال العلماء وأدلتهم يرى الباحث أن ما ذهب إليه الحنفية والمالكية هو الراجح، وذلك لما يأتي:
1 -قوة أدلتهم التي استدلوا بها على عدم جواز بيع الطعام بالذهب إلى أجل قبل قبضه.
(1) انظر: السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل، المبسوط، 5/ 178، وابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، البيان والتحصيل البيان، 6/ 464، والحديث تقدم تخريجه.
(2) انظر: النووي، أبو زكريا، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، 9/ 275، وابن قدامة، أبو محمد، عبد الله بن أحمد، المغني، 4/ 207.