فالضلال يحدث بغياب العلماء عن الأُمَّة، وعند ذلك يتخذ النّاس رؤساء جاهلين بأمر الفتوى والدّين، فيفتونهم بغير علم فيَضِلّون ويُضِلّون.
وما أكثر مَنْ يدعي أهليّة الفتوى في هذا العصر وهو عنها بعيد، ويظنّ بنفسه الفهم وهو أبعد ما يكون عن الفهم السديد، يلم فقط ببعض أطراف العلوم، ويعتقد أنه قد أوتي علم الأولين والآخرين، يصدر الأحكام متلقفًا لها من أدلة لم يتعمّق في فهمها، ومن نقول لم يطّلع على مراد أصحابها، فضلّ بذلك خلق كثير، وأسيء فهم أحكام الإسلام وشريعته السمحاء.
وإذا كان الضّلال والانحراف يحدث بسبب تولي مَنْ ليس بأهل لمنصب الفتوى، كان لا بُدَّ من بيان شروط الفتوى وضوابط نقلها للنّاس، حتّى يتميّز المجتهدون المفتون والعلماء الذين يحقّ لهم نقل الفتوى، من الرؤساء الجُهّال والمعتدين بغير علم على هذا المقام الرفيع.
ولمّا كان لبيان هذه الشّروط والضّوابط أهمية بالغة في إصلاح الأُمَّة وقيادتها على الطريق المستقيم، والمنهج السليم، كان هذا البحث في سبيل بيان وإظهار ذلك، علّه يجذب الانتباه ويوقظ من الغفلة. والله المستعان.
المبحث الأول
تعريف الفتوى والاجتهاد والتّقليد
يتناول هذا البحث شروط الفتوى ونقلها، وعلى ذلك فإنَّ هناك مصطلحات سوف تعرض عند الحديث عن هذه المسائل، وحتّى يُدرك المراد من هذه المصطلحات عند ورودها؛ كان التّعريف بها ابتداءً مستحسنًا، وهي:"الفتوى"و"الاجتهاد"و"التّقليد".