وذلك لأنَّ الفتوى ليست مجرّد نص يستدلّ به على الحكم، ولو كان الأمر كذلك لجاز الاجتهاد والفتوى لكلّ مَنْ حفظ نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويّة دون توافر بقية شروط الفتوى والاجتهاد، وكلام الأصوليين في شروط الاجتهاد على خلاف ذلك.
وعلى ذلك فإنَّ الأصح في هذه المسألة عدم جواز الفتوى للعامي مطلقًا، وهو الأصح كما صرّح به بعضهم [1] .
قد يتبادر إلى بعض مَنْ قلّ علمهم بمقاصد الشَّرع، وفهم قواعده، ومعرفة سيرة السَّلف فيه من كبار المفتين من الصّحابة والتّابعين ومَنْ تبعهم بعد ذلك، أنَّ هذه الشّروط مجرّد تحكُّم لا دليل عليه ولا برهان، وتفصيل لم يعرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا صحابته الكرام، وأنَّها لا معنى لها ولا مقصد إلاَّ تقييد النّاس وتقليل الاجتهاد في الدّين.
وللردّ على مثل هذا الفهم وإيضاح مجانبته للصواب، كان من كمال الحديث عن هذه الشّروط الحديث عن أسباب ومقاصد وضعها.
إنَّ من تأمَّل في سيرة صحابة الرَّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وجد هذه الشّروط متحقّقة فيهم [2] ، وخاصة فيمن عرف بالفتوى منهم، فقد كانوا رضوان الله
(1) انظر: إعلام الموقعين، 4/ 198، وإرشاد الفحول، ص 451، وآداب الفتوى، ص 34، وصفة الفتوى،
ص 26.
(2) انظر: الإبهاج، 1/ 9.