عليهم من حفظة كتاب الله تعالى، عارفين لآياته ودلالاتها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، وعالمين بسُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحاديثه، يحفظون الكثير منها إنْ لم يكن كلها لبعضهم، مدركين لقواعد الاستنباط وأصول الفهم لهذا الدّين، مستوعبين لمقاصد الشّريعة في الحياة الدّنيا وفي الآخرة، وفوق ذلك هم أهل العربيّة الذين أنزل القرآن الكريم بلسانهم، فلا يفهم غيرهم القرآن الكريم كما يفهمون، ولا يدرك معانيه كما يدركون، وهكذا الأمر في بقية هذه الشّروط، لا تجد شرطًا إلاَّ وقد توافر فيهم؛ بل وكانوا على زيادة فيه.
وعلى ذلك فليس لقائل أنْ يدعي أنَّ هذه الشّروط بدعًا من عند الأصوليين، إذ لم يكن دور الأصوليين فيها إلاَّ أنَّهم اجتهدوا في فهمها ومعرفتها واستخلاصها من سيرة الصحابة الكرام، ثم وضعوها مفصلة كما وضعت قواعد اللُّغة العربيّة التي لم تكن تعرف بهذا التّفصيل عند العرب.
ثم إنَّ علماء الأصول لم يجتهدوا في استخلاص هذه الشّروط وتفصيلها على هذا النّحو إلاَّ لدواعٍ ومقاصد، تضبط الاستنباط لأحكام الشَّرع الحنيف، وتحقُّق المصلحة للعباد.
ويمكن تلخيص بعض مقاصد وضع هذه الشّروط في الآتي:
أوّلًا: إنَّ المفتي مبلغ عن ربّ العالمين، ومجتهد في الوصول لحكم الله تعالى في الواقعة المعيّنة، وهذه منزلة ومكانة عظيمة ورثها العلماء عن الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم. ومَنْ أراد أنْ يبلّغ أو أنْ يجتهد في الوصول لحكم الله تعالى لا بُدَّ أنْ يكون عارفًا بكتابه مدركًا لمقاصد شرعه، محيطًا بكلّ العلوم