التي تساعد في استنباط الأحكام ومعرفتها، وهذه شروط لا يتصوّر ألاَّ تتوافر فيمن يريد أنْ يبلغ عن ربّ العزة جلّ وعلا.
ثانيًا: إنَّ الله تعالى ما خلق الإنس والجنّ إلاَّ ليعبدوه، حيث يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذّاريات: 56] ، وعبادته لا تكون مقبولة إلاَّ بما شرعه تعالى، والمفتي يبيّن للنَّاس أحكام الله تعالى التي يعبدونه بها في هذه الدّنيا، ولا يستقيم أنْ يخبر عن كيفيّة العبادة مَنْ لا يعرفها، أو أنْ يرشد النّاس إلى جنّة الله تعالى مَنْ لا يعرف الطّريق إليها.
ومن هنا كان لازمًا أنْ يكون المفتي عارفًا للطرق الموصلة لأحكام الله تعالى التي بها يُعبد في هذه الدّنيا، وإذا لم يكن الأمر كذلك كان النّاس على ضلال مبين في عبادة ربّهم جلّ وعلا.
ثالثًا: لا يستطيع المرء أنْ يتحدث في علم من علوم الدّنيا، أو يأتي فيه بكشف جديد، أو يوضّح فيه قضية غامضة، أو يضيف عليه ما يفيد الأجيال من بعده، إلاَّ إذا كان عالمًا بهذا العلم، سابرًا لأغواره، متمكّنًا من أسراره؛ وإذا لم يكن كذلك فلن يكون له بين النّاس مستمع، ولا عند أهل العلم موضع وتقدير.
وإذا كان الأمر كذلك في أيّ علم، فإنَّ الأمر أعظم وأخطر إذا تعلّق بعلوم الشّريعة الإسلاميّة، وخاصّة فيما يتعلّق بأحكام الفقه فيها، فكيف يمكن أنْ يتحدّث عن الأحكام مَنْ لم يملك لعلوم تساعد في ذلك، ومَنْ مِن النّاس يستمع أو يطلب العلم مِمَنْ كان مظنّة الجهل وعدم المعرفة، ومَنْ يثق فيمن لا علم له يعصمه من الزّلل والخطأ.