الصفحة 27 من 39

رابعًا: جاءت الشّريعة الإسلاميّة لرعاية مصالح النّاس في الدّنيا والأخرى ـ كما تقدم ذكر ذلك ـ، والمفتي هو أوّل مَنْ يتأمَّل في تحقيق هذه المقاصد، فالنَّاس يستفتونه في الحوادث والقضايا، ويسألونه عن حكم الله تعالى في الوقائع والأحوال، وإذا لم يكن المفتي مدركًا لهذه المقاصد، والأدلة التي تدلُّ عليها، ووسائل تحقيقها، وطرق الكشف عنها، فإنَّه قد يخطئ في الفتوى بما يضرّ ولا يصلح، ويهدم ولا يبني، وليس ما يحدث في عالمنا المعاصر من تلقُّف لفتاوى خاطئة، وتبنٍ لأفهام منحرفة ـ الشّريعة منها براء ـ إلاَّ بسبب عدم تحقُّق شروط الفتوى فيمن يطلق هذه الفتاوى أو ينشر هذه الأفهام.

خامسًا: إنَّ حفظ ما يحفظ من هذه العلوم ـ التي هي شرط في الفتوى ـ، والاطلاع على جوانبها المختلفة، والتّعمُّق في أبوابها وما تحتويه من دقائق ولطائف، وحلّ ما فيها من مسائل، وفهم ما فيها من قضايا، وكشف ما فيها من غموض ولبس، كلّ ذلك موسع لمدارك المفتي، ومفتح لذهنه، مِمَّا يزيد من فهمه للحياة بصورة عامّة، ويكمل نضج عقله بما يعينه على الاستواء على عرش الفكر السَّليم والنَّظر الثَّاقب. وإذا خاض النَّاس في أمر من الأمور كان أرجحهم فيه عقلًا، وأبعدهم فيه نظرًا، وأصوبهم فيه حكمًا، لِمَا له من ذخيرة علميّة، وثمرات فكريّة، ومنهج للتفكير والاجتهاد كثرت لديه فيه الشّواهد، وأدرك تفاصيل طريقه، ومعالم جوانبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت