الإجماع ينعقد بدونه فلا يسلم؛ لأنَّ الإجماع في المسائل الحادثة هو إجماع المجتهدين الأحياء، وأمَّا الأموات فإنَّ أقوالهم باقية في الحوادث التي أفتوا فيها، كما أنَّ موتهم لا يرفع إجماعهم، وإلاَّ لزم عن ذلك عدم حكاية أي إجماع في المسائل التي مات المجمعون عليها من الصّحابة والمجتهدين من بعدهم.
والثّاني: أنَّ نقل الفتوى عن المفتي الميت تجوز، وذلك لأنَّ الرّاوي أو ناقل الفتوى إذا كان عدلًا، ثقة، متمكنًا من فهم كلام المجتهد الذي مات، ثُمّ روى للعاميّ قوله، حصل للعاميّ ظنّ صدقه، ثُمّ إذا كان المجتهد عدلًا ثقة فإنَّ ذلك يوجب ظنّ صدقه في تلك الفتوى، كما أنَّ الإجماع انعقد على مرّ العصور على جواز العمل بهذا النّوع من الفتوى [1] ، وذلك لقلّة المجتهدين أو عدم وجودهم. ثُمّ إنَّ مذهب المفتي وأقواله لا تبطل ولا ترتفع بموته، ويعتد بها بعده في الإجماع والخلاف، ولا دليل يصلح للاستناد عليه في عدم اعتبارها.
ونقل الفتوى عن المفتين والمجتهدين الأموات إذا لم تكن جائزة فلن تكون هناك فائدة من اجتهاد العلماء السابقين في تأليف الكتب ووضع المصنفات واعتكاف طلاب العلم لدراستها.
وقد أجيب عن الاستدلال الأخير بأنَّ فائدة تأليف هذه الكتب تتلخّص في أمرين:
أحدهما: استفادة طريق الاجتهاد من تصرُّفهم في الحوادث وكيفيّة بناء بعضها على بعض.
(1) تيسير التّحرير، 4/ 250.