ولعلّ هذه التعريفات الاصطلاحيّة تبدو متقاربة في المعنى، ولكن يظهر من بعض التّأمُّل في ظاهر ألفاظها أنَّ هناك فرقًا بين التعريفات التي تجعل مجرّد قبول القول تقليدًا، وبين التي تجعل العمل حدًّا للتقليد. وأمَّا التعريفان الرّابع والسّابع فقد زادا قيدًا يبيِّن أنَّ قبول قول مَنْ يُعَدّ قوله حُجَّة ليس بتقليد، وحتّى وإنْ لم يذكر معه الدّليل.
ولعلّ التّعريف الأوّل ـ الذي ذكره عدد من الأصوليين ـ هو الأنسب؛ لأنَّ الفتوى عبارة عن قول قد يتبعه عمل، وقد تكون مجرّد اعتقاد قلبي، وفي كلّ الأحوال فإنَّ قبول هذا القول بغير حُجَّة يُعَدُّ تقليدًا.
ورغم تعدُّد هذه التعريفات فإنَّ المعنى الاصطلاحيّ استعير من المعنى اللُّغويّ، كما أشار إلى ذلك عدد من الأصوليين، وكأنَّ المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشّه به في دينه، وكتمه عنه من علمه، أو أنّه يجعل ذلك الحكم الذي قلّد فيه المجتهد كالقلادة في عنق مَنْ قلّده، أو أنَّه يقطع الشّيء في رقبة مَنْ يقلّده إنْ كان صوابًا فله، وإنْ كان خطأ فعليه [1] .
وبناءً على تعريف التّقليد بأنّه قبول القول من غير حُجَّة؛ فإنَّ الأخذ بقول الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ليس بتقليد، لأنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - حُجَّة بنفسه؛ إذ هو الوحي المقطوع
(1) انظر: رسالة في أصول الفقه، 1/ 127، وروضة النّاظر، 1/ 382، وإرشاد الفحول، ص 442.