الصفحة 19 من 41

ومما يُلاحظ في التعريف السابق؛ أنَّ القاعدةَ الفقهيةَ باعتبارها حُكما شرعيا مُستنبَطا من دليل شرعيٍّ؛ هي موضوعةٌ بالكمالية والانطباق على الجزئيات اطِّرادا أو غالبا، ولا سبيلَ إلى معرفة ذلك إلا بواسطة الاستقراء.

فعن طريق الاستقراء نستطيع العِلْمَ بكلية الحُكْمِ والتحقُّقَ من انطباقه على الجزئيات، وعن طريق الاستقرار نتأكَّدُ من أنَّ انطباقَ الحكمِ الكليِّ على جزئياته هو على جهة الاطّراد أو على جهة الأغلبية؛ لأنَّ الاستقراءَ فيه يكون تامًّا؛ فيكون الانطباق حينئذ مطّرِدا، وقد يكون ناقصا؛ فيكون الانطباقُ حينئذ أغلبيًّا [1] [57] .

وبهذا يتَّضح لنا بأنَّ طُرَقَ التقعيد الفقهي وما له من مسالك؛ يتبعها في الوصول إلى القاعدة الفقهية عن طريق الاستنباط والاستقراء.

لأنّ القاعدة تتكوّن من شيئين أساسيين، هما: الحكمُ الكليُّ، وما يحويه من جزئيات مندرِجة؛ وعليه فالسبيل إلى العلم بالحكم الكليّ هو الاستنباط، وبالاستقراء يتمُّ العلم بما في الحكم من جزئيات مندرجةٍ ومنتظمةٍ فيه، ولكي تتّضح لنا الصورة ويتم الفهم؛ فلا بدّ من توضيح كلٍّ من الاستنباط والاستقراء باعتبارهما مسلكين للتقعيد.

أولا: الاستنباط:

الاستنباط لغة: يعني الاستخراج، وأصله من النَّبَط -بالتحريك-، وهو الماء الذي يخرج من البئر أوّل ما تُحفر [2] [58] ، ثم استُعمل في استخراج الشيء من مأخذه، سواءٌ كان ذلك في الحسيات كاستخراج الماء من البئر، أو في المعنويات كاستخراج المعاني من النصوص.

غير أنّ الاستنباط حينما يُستعمل في المعنويات يكونُ مجازا من قِبَلِ الاستعارة، فصار الاستنباطُ بمعنى: التفسير والتبيين [3] [59] .

الاستنباط اصطلاحا: أمّا في الاصطلاح فهو كذلك لا يبعدُ كثيرا عن دائرة المعنى اللغوي، فقد عرّفه الجرجاني بأنه:"استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوّة القريحة" [4] [60] .

(1) [57] قواعد الفقه الإسلامي، 78.

(2) [58] لسان العرب مادة: نبط.

(3) [59] التحرير والتنوير لابن عاشور، 5/ 141.

(4) [60] التعريفات للجرجاني، 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت