ولا بدَّ من التنبيه إلى أنَّ دائرةَ الاستنباط التي تهمُّنا هي محدودةٌ في الاستنباط الفقهيِّ، وعليه فهو عبارة عن استخراجٍ للأحكام الشرعية من مصادرها بواسطة القواعد الأصولية التي تُقَعِّدُ عمليةَ تفسيرِ النصوص الشرعية تفسيرا فقهيا.
وأصلُ الاستنباط في حدود دائرته هذه أنْ يكون من النصّ، فإذا كان الحكم الشرعي قد توصَّل إليه الفقيه عن طريق القياس أو الاستصحاب أو الاستصلاح، أو غير ذلك من الأدلّة؛ سمي ذلك اجتهادا [1] [61] .
فالاستنباط إذن مصدره الأوّل الذي ينتهي إليه الأخذ والاستخراج هو النصُّ، إلا أنّ هذا الاستخراجَ أو الأخذَ قد يكون بطريقة مباشرة، وقد يكون بطريقة غير مباشرة.
وهكذا فالمسلك الأوّل لإيجاد القاعدة الفقهية هو الاستنباط الذي وضع له الفقهاء والأصوليون قواعدَ لغويةً وقواعدَ في الأدلة، كقولنا:"الأمر يفيد الوجوب"، و"النهي يفيد التحريم"، و"مفهوم المخالفة حجَّةٌ"و"النكرة في سياق النفي تفيد العموم".
فهذه القواعد الأصولية بأنواعها كلِّها، هي عُدَّةُ الفقيه في تقعيد القواعد الفقهية واستنباط أحكامها الكلية.
الاستقراء في اللغة: هو التتبُّعُ، من قَرَيْتُ البلادَ واستقْرَيتها إذا تتبَّعتها، وخرجت من أرض إلى أرض [2] [62] .
وفي الاصطلاح: عرفه الغزالي بأنه:"عبارة عن تصفُّح أمورٍ جزئية لتحكُمَ بِحُكْمِها على أمرٍ يشملُ تلك الجزئيات" [3] [63] .
وجاء في تعريف آخر له:"الاستقراء هو أن تتصفَّح جزئياتٍ كثيرةً داخلةً تحت معنى كليٍّ، حتى إذا وجدتَ حُكْما في تلك الجزئيات؛ حكَمتَ على ذلك الكليِّ به" [4] [64] .
(1) [61] نظرية التقعيد الفقهي، 80.
(2) [62] لسان العرب، مادة: قرأ.
(3) [63] المستصفى، 1/ 51.
(4) [64] معيار العلم، 160.