وأخذه الكثير حجَّةً فيجامع أهله من أوَّل الليل، ولا يقوم إلا في النهار حيث يغتسل ويصلِّي، ومعظمهم يفعل ذلك إلى قبيل الظهر، فحاشا وكلاَّ أن يكون هذا مبدأ الرسولِ - - - رمضان الله - - ربيع أول - -، وهو الذي جاء في قوله: «والله إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله وأعلمَكم بما أتَّقي» . وهو الذي ينبِّه ويؤكِّد على صلاة الصبح في وقتها وفي الجماعة، ويقول: إنَّها خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف يفرِّط فيها وهو أسُّ هذه الأمة وخاصَّة أنَّ هذا الحديث وهو على صورته التي ورد عليها يصعب أن نتَّخذه أو نسلِّم به قاعدةً من القواعد الفقهية التي نعتمد عليها في ترجيح كثير من الفروع والجزئيات والأحكام.
ومما يرفض هذا الترجيح والإصباح جنبا، ما جاء في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب قوله: وعن أبي عبيدة عن عروة بن الزبير والحسن البصري، وإبراهيم النخعي وجملة من أصحاب رسول الله - - - رمضان الله - - ربيع أول - - يقولون:"من أصبح جنبا أصبح مفطرا، ويدرؤون عنه الكفارة" [1] [112] .
ومما جاء في ذلك ما أخرجه البخاري بلفظه: «كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» [2] [113] . وما أراه في هذا بحسب ما جاء في مسند الربيع، وكذلك ما جاء في هذه القاعدة إذا تعارضت العزيمة والرخصة قُدِّمت العزيمة على الرخصة، فتقديم العزيمة على الرخصة أحوطُ من الرخصة في هذا، عملا بالاحتياط الشرعي.
فكذلك تقديم الغسل على الإصباح جنبا، هو أفضل وأحوط.
وقد يكون هذا ممَّا اختلف فيه الفقهاء، ولكلٍّ رأيه وحجته [3] [114] .
فالعزيمة: ما شُرع ابتداء على وجه يعمّ المكلَّفين في الأحوال العامَّة.
والرخصة: ما شُرع من الأحكام في أحوال خاصَّةٍ كاستباحة فعلِ المحرّمِ عند الضرورة، واستباحةِ ترك الواجب عند المشقَّة والحرَجِ [4] [115] .
(1) [112] مسند الربيع بن حبيب، 83.
(2) [113] مبارك الراشدي، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه، 483.
(3) [114] وهذه القضية يطول الحديث فيها، وقد نأتي بها في حديث مستقلّ عن هذا البحث إن شاء الله.
(4) [115] نظرية التقعيد الفقهي، 625.