وقد اتَّفق الفقهاءُ على أنَّها لا اختلافَ فيها ولا تناقضَ ولا تعارضَ، وإذا وُجِدَ شيءٌ من ذلك في نصوصها، فإنَّما منشؤه يرجع إلى فَهْم الفقهاء وإدراكِ المجتهدين لها، فَهُم في ذلك متفاوتون تفاوتَ مداركهم وقدراتِهم العقلية.
سبق وأنْ ذكرنا أنَّه لا تعارض في الشريعة، وإن ظهر لأحد فأسبابُه تَرجع إلى أمور ثلاثةٍ:
الأول: ما يرجع إلى جهة النقل:
وذلك أنّ الدليلين المتعارضين قد يكونُ تعارُضُهما بسبب أنَّ في أحدهما اختلالا في سنده وروَّاته مِمَّا يجعلُه أضعفَ، ولا يدرك ذلك الفقيه المجتهد، فيعتقد أنَّهما متعارضان كذلك.
الثاني: ما يَرجع إلى جهة الدلالة:
وذلك أنَّ النصَّ الشرعيَّ قد يكون قطعيَّ الدِّلالة، وهذا لا مجال فيه للتعارض، وقد يكون ظنيَّ الدِّلالة وهذا مَجَالٌ واسعٌ لاختلاف الفقهاء من جهة، ولنشوء تعارضِ الأدلة في عقولهم واهتمامهم من جهة ثانية.
الثالث: ما يرجع إلى النسخ:
وذلك أنَّ الدليلين المتعارضين في الظاهر قد يكون تعارُضهما بسبب أنَّ أحدَهما ناسخٌ للآخر؛ لأنَّه متأخِّرٌ عنه وُرودا، فيكونُ من لم يعلم ذلك من الفقهاء معتقِدا أنّهما متعارضان.
وقد جمع ابن القيم هذه الأسباب الثلاثة في تعقيبه على حديثين متعارضين في الظاهر فقال:"ونحن نقول لا تعارضَ بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض؛ فإمَّا أن يكونَ أحدُ الحديثين ليس كلامَه - - - رمضان الله - - ربيع أول - -، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثَبْتًا، فالثقة يغلط. أو يكونُ التعارض في فهم السامع، لا في كلامه - - - رمضان الله - - ربيع أول - -. أمَّا حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كلِّ وجه، وليس أحدهما بناسخ للآخر، فهذا لا يوجد أصلا" [1] [104] .
ذلك ما كان فيما يخصُّ التعارضَ، وبهذا يعود بنا الحديث إلى الترجيح.
(1) [104] زاد المعاد، 3/ 112.