الصفحة 3 من 41

وقال إمام الحرمين في كتاب المدارك: «إنّ لدى الراهن الصحيح؛ الاقتصار على حفظ القواعد، وفهم المآخذ» [1] [6] .

وعلى هذا فالقواعد الفقهية كانت أسلوبا علميا رائعا لجمع شتات الفقه؛ ومسائله المبثوثة في أبوابه وفصوله، وقد أكّد الفقهاء عليها، واعتبروا الذي لا يعتني بتحصيلها مفرِّطا في الفقه، غيرَ ضابط له، مغلوبًا على أمره فيه.

ولست مبالغا إذا قلت: إنّ القواعد الفقهية تمثل قمة الفقه الإسلامي وزبدته وعصارته، وفي صياغة هذه القواعد وعرضِها وتحليلِها تظهرُ العقلية الفقهية الإسلامية الواسعة العميقة، وتبرُز طاقتها الفلسفية التنظيرية، وقدرتُها على التجميع والتنظير.

إنّ موضوع هذا البحث:"الفروع بين القواعد والضوابط الفقهية"يجمع في عنوانه بين القواعد والضوابط والفروع، وكلُّ مصطلح يحتاج إلى بحث مستقل ولا يفي بحقه، ولكن أخذا بقول القائل:"ما لا يدرك كله لا يترك كله"؛ ننطلق فيه ولا نزعم أنّ هذا الموضوع كان قَفْرًا من الاهتمام والبحث العلمي، بل أَعلم أنَ ثمة من الباحثين من تناوله على وجه من الوجوه، وفي جزء من أجزائه، ولكنَّ ذلك كلَّه لا يعدو أن يكون جهودا متفرّقة لا تجمعها وحدة المشروع، ولا يُنظِّمها ويؤلِّف بينها بناءٌ واحدٌ ومنهجٌ واحد، ثمّ هي لم تَصدر عن نفس البواعث العميقة التي أشرت إليها فيما سبق.

ولا يفوتنا أن تناول مثل هذا الموضوع في بحث حُدّد مسبقا في حجمه وعدد صفحاته يقتضي الإيجازَ المقتضبَ. وسوف أتناول في هذا البحث القواعدَ والضوابطَ الفقهية، وما يتبعها من فروع.

إذا كان الفقه هو ثمرة العلوم الشرعية؛ فإنّ القواعد الفقهية هي لبُّ الفقه وزبدتُه، منها تتبلورُ العقلية الفقهية الإسلامية الناضجة، القادرة على التجميع والتأصيل للمسائل الفقهية المتناثرة في مصادره، والمتشعبة هنا وهناك. وهذه القواعد لها ضوابط وتعريفاتٌ لابدَّ من توضيحها.

(1) [6] المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت