والملاحَظ من خلال هذه التعريفات أنَّ الاستقراءَ لا يمكن إجراؤه إلا إذا كان عندنا حكمٌ واحد -سواء كان شرعيًّا، أو عقليا، أو عاديا-، وجملةٌ من الجزئيات نريد اختبارها من جهة اندراجها فيه وانطباقه عليها.
وللاستقراء مرتبتان: مرتبة يكون فيها تامّا، ومرتبة يكون فيها ناقصا.
1 -فالاستقراء التام: هو أن يَثْبُتَ الحكمُ في كلّ جزئيٍّ من جزئيات الكليِّ، وهذا النوع لا يكون إلا في العقليات، ويسمّى: الاستقراء المنطقي، ويفيد القطع.
2 -الاستقراء الناقص: معناه أن يثبت الحكمُ في الكليّ لثبوته في أكثر جزئياته، وهذا هو المقصود عند الفقهاء [1] [65] .
وهكذا ننتهي إلى أنّ التقعيد الفقهيَّ له مسلكان يعتمدهما الفقيه، وهما: الاستنباط، والاستقراء، الاستنباط أولًا، والاستقراء ثانيًا. فالاستنباط يتمُّ به الكشف عن الحكم والعلمُ به من حيث هو حكمٌ شرعيٌّّ، والاستقراءُ يتمُّ به العلم بكلية ذلك الحكم وقاعديته [2] [66] . وهذا يوصلنا إلى أنواع من التقعيد الفقهي.
التقعيد الفقهيُّ هو عملٌ علمي يقوم به الفقيه قصد تجميع شتات فروع الفقه ومسائله، وهذا العمل لا يأخذ حجّيتَه وشرعيّته إلا إذا استند إلى الأصول والمصادر الشرعية، واستمدَّ منها قوّتَه.
والفقهاءُ المتقدِّمون الذين اهتمّوا بالقواعد الفقهية وألَّفوا فيها بوجه من الوجوه، لم يجرِّدوا الحديثَ عن مصادرها الشرعية، ولم يقرِّروا لها بابا أو فصلا لبسْط الأُسس النظرية التي يُحَلَّلُ في ضوئها استمدادُ القواعد الفقهية شرعيّتَها وحجيتَها من أصولها، وكيفيةُ ذلك، ولكنَّهم كعادتهم في تناول مثل هذه المسائل تناولا مباشرا وبطريقة علمية تطبيقية، كانوا يَعرِضون القاعدةَ قبل تحليلها وذكرِ فروعها الفقهية، وما فيها من شذوذ واستثناء، ويُرجعونها إلى أصلها الشرعي من كتاب وسنة وإجماع وقياس.
(1) [65] نهاية السول للأسنوي، 3/ 114.
(2) [66] نظرية التقعيد الفقهي، 86.