وهذه القواعد لم توضع في الفقه الإسلامي هكذا اعتباطا أو بدون دليل، بل لكلِّ قاعدة دليلها ومصدرُ ثبوتها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول [1] [67] .
ولْنَعرض لكلّ نوع من هذه المصادر وما أُخذ منه من قواعد، وبهذا نقف على ما يُعرف بالقواعد التي استُمِدّت بالنص، أو بالقياس، أو بالاستدلال، أو بالترجيح، وهي:
والمرادُ بالنص عند الفقهاء والأصوليين هو القرآن والسنة، وهذا النوع من القواعد له صورتان:
1 -أن تَرد الآيةُ أو الحديث في تعبير موجَزٍ جامع دستوريٍّ؛ فيكونُ ذلك بالنسبة للفقهاء كليةً تشريعيةً جاهزةً للصياغة، كاملةَ الحبك، ناطقةً بشرعيتها؛ لكوْنها نصًّا شرعيا.
2 -أن يردَ النصُّ القرآنيُّ أو الحديثُ حاملا حكما عامًّا صالحا لكثير من الفروع والجزئيات، فيعمد الفقهاء إليه ويستنبطون منه قاعدةً أو قواعدَ كليةً.
فقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [2] [68] .
هذه الآية الكريمة على وجازتها وقلَّة كلماتها؛ تتضمن كلية تشريعية كبرى، بل إنَّك تستطيع أن تجعلَ كلَّ كلمة منها كلية قائمة بذاتها.
قال القرطبي في تفسيرها:"هذه الآية من ثلاث كلمات تضمَّنت قواعدَ الشريعة في المأمورات والمنهيات، فدخل في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) ؛ صلةُ القاطعين، والعفوُ عن المذنبين، والرفقُ بالمؤمنين، وغيرُ ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) ؛ صلةُ الأرحام، وتقوى الله من الحلال والحرام، وغضُّ الأبصار، والاستعدادُ لدار القرار. وفي قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ الحضُّ على التعلّق بالعلم، والإعراضُ عن أصل الظلم، والتنزّهُ عن منازعة السفهاء ومساواةِ الجهلةِ الأغبياءِ، وغيرُ ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة" [3] [69] .
(1) [67] نظرية التقعيد الفقهي، 89.
(2) [68] الأعراف، آية 99.
(3) [69] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 7/ 344.