الصفحة 31 من 41

فالترجيح كما يكون رجوعا إليه في الأحكام الجزئية؛ فإنَّ الفقهاءَ يهرعون إليه في الأحكام الكلية أيضا، وهذا هو المرادُ بكونه مصدَرا من مصادر القواعد الفقهية.

ولتوضيح ذلك نسوق السؤال الذي سئل به عثمان بن عفان - - - - (- جمادى ثان محرم - - رمضان عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فأجاب:"أحلَّتهما آية وحرَّمتهما آية" [1] [105] . ويقصد بذلك قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [2] [106] . ويريد بالآية التي حرَّمتهما قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [3] [107] .

فقد تعارض حكمان هما الحِلُّ والحِرْمة -بتعارض دليليهما- في جزئية واحدة، وهي الجمع بين الأختين بملك اليمين [4] [108] . والفقهاء يرجِّحون هنا آية الحِرمة على آية الحِلِّ؛ لأنَّها الأحوط؛ ولأنَّ الصحابة والسلفَ الصالحَ كانوا على عدم الجمع.

والسؤال الذي قد يطرح نفسه فيما يخص الترجيح هو: أنَّ الترجيح ليس دليلا شرعيا للأحكام الجزئية، ولا للأحكام الكلية، فكيف يكون مصدرا للقواعد الفقهية؟.

والجواب عن ذلك: أنَّ الترجيحَ لم يكن دليلا بذاته على الأحكام الشرعية الجزئية، وكلِّيِّها، فإنَّ العمل به واجب، ووجوبُ العمل به دليل على شرعيته وحجيته.

والدليل على وجوبِ العمل به هو إجماعُ الصحابة والسلف على أنَّهم إذا تعارض عندهم دليلان في مسألة واحدة رجَّحوا أغلبَهما على الظنِّ، وعمِلوا به دون الآخر، ولم يُنقَل عن أحدهم أنَّه خالف هذا، فكان عملهم بالراجح من الدليلين المتعارضين إجماعا منهم [5] [109] .

وممَّا جاء عنهم في الترجيح:

(1) [105] الإحكام لابن حزم، 5/ 845.

(2) [106] المؤمنون، آية 6.

(3) [107] الأحزاب، آية 23.

(4) [108] المقصود بذلك الجمع بينهما للوطء.

(5) [109] نظرية التقعيد، ص 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت