وأما الحنابلة فجعلوا الماء المُسخن بنجاسة على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة كالدخان أو الرماد إلى الماء فينجسه إذا كان يسيرًا وهذا هو المشهور في المذهب.
الثاني: لا يتحقق وصول شيء من أجزاء النجاسة إلى الماء والحائل غير حصين فالماء على أصل الطهارة ويكره استعماله.
الثالث: إذا كان الحائل حصينًا فمنهم من كرهه أيضًا كالقاضي أبي يعلى ومنهم من قال: لا يكره كالشريف أبي جعفر وابن عقيل.
الترجيح:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما المسخن بالنجاسة فليس ينجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه وأما كراهته ففيها نزاع لا كراهة فيه في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما وكرهه مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنهما.
وهذه الكراهة لها مأخذان:
أحدهما: احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء فيبقى مشكوكًا في طهارته شكًا مستندًا إلى أمارة ظاهرة فعلى هذا المأخذ متى كان بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره لأنه قد تيقن أن الماء لم تصل إليه النجاسة.
وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد: كالشريف أبي جعفر وابن عقيل وغيرهما.
والثاني: أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه عندهم والحاصل بالمكروه مكروه وهذه طريقة القاضي وغيره.
فعلى هذا إنما الكراهة إذا كان التسخين حصل بالنجاسة.
فأما إذا كان غالب الوقود طاهرًا أو شك فيه لم تكن هذه المسألة وأما دخان النجاسة: فهذا مبني على أصل وهو: أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة مثل: أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحًا طيبًا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادًا وخرسفًا وقصرملًا ونحو ذلك ففيه للعلماء قولان.