وقد انحدر هادرًا بمقدرة خطابية عالية واضحة في نبرته رغم جهلى بلغته، فذكر حيرة الفلاسفة والمصلحين في الأمم كلها أمام حاولة انتشال الإنسان من وهدته واستخذائه للظالمين لاذين أرهقوه، وكيف أراد كونفوشيوس رفع رأس أهل الصين من بعد ما رأى الأباطرة يستخفونهم ويأمرونهم ببناء سور الصين العظيم وصنع ألوف التماثيل للجنود والخيل يخلدون بها أحداث المعارك، لكن كونفوشيوس فشل لأنه أراد الملائمة بين حاجة فلاح الصين وشهوة الامبراطور. وكان زرادشت أفشل منه، لأنه انطلق في إصلاحه من أروقة بلاط كسرى، فكان أسيرًا لسياسة المداراة. أما كهنة مصر فقد خدعوه المستضعفين بالعقائد القدرية السلبية حتى لم يعد فيهم عرق ينبض حين كانت أجسادهم تتهاوى تحت ثقل حجارة تخليد فرعون إذ هم يرفعون صرح الأهرام، وكأن ضرب السياط الذى يلهب ظهورهم يؤلف صرح الأهرام، وكأن ضرب السياط الذى يلهب ظهورهم يؤلف أنغام النوم واستمراء الذل. حتى الاغريق: ألهى فلاسفتهم عامتهم بالمجاز الذى لا تخصيص معه، فحاروا حيرتهم الكبيرة، ولم تنجب الانسانية غير متلفت يروم الهداية وقد ضل الطريق، إلا الراعى الذى ظهر بمكة صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن العروش والبلاطات والفلسفات التعميمية، فأشار وخصص، وأرشد المستضعفين، فاهتزت أركان الجبابرة، وتحطمت الطواغيت! .