فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 109

والناس يحتاجوننا، كمن وقع في حفرة ويستنجد بالمارة، وهو مثل صحيح ضربه الغزالى في الإحياء، ولابد أن نمد أيدينا لهم لنخرجهم من ضلالهم إلى الهداية، ومن فوضويتهم إلى السكينة، ومن تحاسدهم إلى المودة.

نعم، هناك من يتقعر ويتكلف ويطلب المخاطبات الدبلوماسية وفق القواعد النحوية رغم سوء منقلبه، ولا يريد أن تخرجه منه إلا بخطبة تتقعر له فيها وتتكلف، ولكنهم قلة، كذاك النحوى الذى وقع في كنيف، فأحاط به الناس يمدون أيديهم له ويقولون: يدك ، يدك، وهو لا يكترث، حتى مر به وبهم مشفق عرف سره فقال: خلوا بينى وبينه، ثم قال له: ناولنى كفك الشريف لأخرجك من هذا الكنيف فمد يده عند ذاك وأخرجه .

والداعية قد يتقعر ويجادل ويتبع قواعد الدبلوماسية مع مثل هذا، شفقة عليه ورحمة به، وقد يتركه إلى مصيره تأديبًا له، ويأبى أن تذهب نفسه حسرات عليه

هل هذه النظرية في صناعة الحياة نظرية جديدة ؟

قد يظن ذلك الذى يجيب باستعجال، ولكن الذى عنده علم من التاريخ ينفى ذلك أبدًا، ويبرهن أن الحضارة الإسلامية صنعها صناع كهؤلاء، وانغمسوا في علومهم وفنونهم وآدابهم انغماسًا ترك آثارهم تنطق مئات السنين، وجعل المسلمين يرفلون بما صنعوا جيلًا بعد جيل .

لقد تفنن جيل المسلمين الأول في المسموع، فأتوا بجميل الشعر والنثر، والدواوين شاهدة، وألوف كتب الأدب. كما تفننوا في المنظرو بهدف علانية، من أجل الاقتداء، وكانت المبارزة بين الصفين، تحصيلًا لتأجج الحماسة. بل مثلوا التمثيليات الصامتة الهادفة، كذاك الذى بنى لنفسه وفرسه حصنًا صغيرًا بباب الكوفة ورابط فيه، وكانت الفتوحات في زمنه قد بلغت وراء بخارى وسمرقند ، حتى ليظنه الظان مرائيًا ، ولكنه كان يتعمد ذلك ليشاهده أهل الكوفة ومن يدخلها فيتذكروا معنى الجهاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت