وبعضه انكفاء على أصل مهجور كان منه المنطق في البداية، فنسى الناس العرق الذى يربطهم به وينسبهم إليه، فيعود بهم المبدع إليه في النهاية .
ثم بعضه اقتحام في موطن الانخزال، ووفاء في ساعة النكوص، وفصاحة إذا رطنت الألسن، وكرم إذا اختبأت الأيدى، وسموا إذا نطق الاغراء، ونبل عندما يسفل التعامل، وستر إذا استرسلت الفضائح، وفناء إذا قدست الذات.
والاجتهاد: انشتال من وهدة، وتوجيه في ساحة حيرة، وتخصيص من بعد تعميم، وتعميم لبادرة، وأذان في نيام، وسلوة بين أحزان، وتحقيق عند الجزاف، وإثقال لكفة الميزان إذا هبطت صاعدة، وانتباه لتبكيت النفس إذا استبدت منحدرة في الهاوية وهى تتوهم الارتقاء .
وفى مثل هذا المنعطف يجفل الراهب فيدعى عجزًا ويقول: تريدون منى أن أكون فقيهًا وليس جدى مالكًا ولا الشافعى! وتطلبون أن أتغنى بالشعر وما ولدنى المتنبى ولا البحترى! وتتمنون أن ألوك الفلسفة وليس جارى سقراط!
فمن أين يتأتى لى الإبداع وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة؟
فنقول: نعم، نريدك ونطلب ونتمنى نظن ونجزم، ولا وجه لاستضعافك نفسك واستصغارك صحبك، وقد أعطاك الله ذكاء ونسبًا، فلم لا تتعلم السهر وتطلب الفصاحة؟
والجزم مستمد من براهين ثلاثة لدينا:
(الأول) : أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقل: الدعاة كإبل مائة، وإنما قال: الناس كإبل مائة، ونحن لسنا الناس، بل نحن الرواحل كلنا، ونحن صفوة الناس ونخبة المجتمع وزبدة البشر وخلاصة المسلمين، فكيف نساوى أنفسنا بالعامة واللاهين؟ .