وكان عمل آل زنكى ثم صلاح الدين الأيوبى ضمن سياق الإبداع الذى نتحدث عنه. ثم عمل الظاهر بيبرس وقطز وصاحبهما الأمير البطل حسام الدين لاشين، الذى كان في غاية الكرم والشجاعة، حتى أنه تعرض بإلف فارس معه لاثنى عشر ألف فارس من التتر في غزوهم الشام، فأبادهم عن آخرهم.
ثم أعمال السلطان محمد الفاتح في فتح القسطنطينية، ومن سبقه وتلاه من سلاطين آل عثمان: كانت أعمالًا إبداعية ضاربة في عمق الإبداع، وبأبى وأمى نفير مراد الرابع بجلد النمر من فوره لاستخلاص بغداد من الصفوى المفسد حين سمع احتلاله لها.
والإبداع في مجال العلم كذلك، وليس أوله إبداع الشافعى في تدوين أصول الفقه عبر (الرسالة) ، وإبداع البخارى في تجريد الحديث الصحيح عن الضعيف، وإبداع السرخسى في جمع شوارد أقوال أبى حنيفة وأصحابه، حتى إنى لأظن أنه لم يخرم منها حرفًا، وإبداع علماء قواعد الفقه في رؤية الأشباه والنظائر، وإبداع القرافى في الانتباه للفروق، وإبداع ابن تيمية في التجديد والاحاطة والمقارنة، حتى تركها مدرسة مسلسلة مازالت دائبة التأثير حتى هذا اليوم .
ومثل ذلك إبداع فؤاد سزكين الآن في مجال تاريخ العلوم الإسلامية والكشف عن إبداع أجيال المسلمين في أبواب الفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب والصيدلة، حتى غدت المخطوطات التى عرف بها وروج لها شمسًا ساطعة شاهدة لفضل الحضارة الإسلامية على الإنسانية .
وقصص السلف في صناعة الحياة كثيرة، ولكن يليق أن نتجاوز رجال الصدر الأول والأوسط، لما أظنه من وضوح أدوارهم، وأن نأتى إلى نماذج من رجال العصر القريب، نتعرف على إبداعهم .
منهم الفنان المبدع، شيخ المهندسين في العصر العثمانى: سنان باشا فقد كان رحمه الله من صناع الجمال، وتمكن من طباعة التفاعل في نفوس المسلمين مع المعايير الجمالية .