وأدت الموسيقى الأغراض نفسها، والرسم، والنحت، والمناظر التمثيلية المؤداة في المسارح، وغير ذلك، وما زالت هذه المؤثرات اليوم في أمريكا وأوربا وعموم العالم هى هى كما كانت زمن الاغريق والرومان، ولم يتغير سوى نطاق التفنن، بسبب المخترعات الحديثة وتسهيلات الرقى المدنى، وقد منعنا الشرع من استخدام النحت والرسم الذى فيه مضاهاة، ولكن حقيقة تأثيرهما في النفوس باقية، وقد رأيت في المتحف البريطانى، في قاعة الفن الحديث منه، تمثالًا لرجل عجوز معذب تثقله الفيود وقد منع عنه الماء، فجاءت امرأة من محارمه، كأنها وقد منعوها أن تسعفه بالماء، فأخرجت ثديها يرضع ويرتوى بلهف وقد كاد يموت، فأخذتنى قشعريرة لما رايت ذلك وفار دمى على الظلمة، وأحسب أن تأثير هذا التمثال في زائرى التحف يعدل تأثير عشرة دواوين لفحول الشعراء في تقبيح الظلم.
وكل صناع الحياة في جمهرتنا الدعوية يستطيعون الانطلاق من حقائق الظاهرة التربوية لتكثيف وتقوية آثار بصماتهم الخاصة في الحياة العامة، فابلاغة وسيلة واعظنا وشاعرنا، والعدسة بين يدى مصرونا بدل الرسم المحرم أو المكروه شرعًا، يغرس بالتقاطات عدسته كراهة منظر سوء تعافه النفوس اللابثة مع فطرتها، ويحرك مشاعر الاقتداء بمنظر آخر من التضحية والبذل والفداء .
الشرط اللازم لصانع الحياة في كل ذلك هو أن يبدع ويكون مجتهدًا ويأتى بالنادر الطريف، ليس بالذى ينسج على منوال الآخرين ويقلد فيمله السامع والناظر، ويزهدان بما يعرض .
والابداع وصف يستعصى على الوصف، وإنما يوفق له الذكى ويميزه الخبير .
بعضه تجديد يأتى على غير مثال وسابقة .
وبعضه تمرد على المألوفات والمسلمات المتوهمة إذا أدرك تخلفها واضطراب منطقها .
وبعضه اشتقاق وقياس، يولد ولا يغرب، ويذهب ولا يبعد .