فلو أن خطة الدعوة لا تدع الدعاة إلى أقدارهم يبواجهونها، بل تصارع القدر بالقدر، وتدفع قدر الجهل والانزواء الذى كلكل على بعضهم بقدر العلم والجرأة على مواجهة الناس وتعليم الفصاحة: إذن لاشتغل رهط من بعد بطالة، ولتحركت طاقات من بعد تعطيل ، ولتقدمنا مرحلة في صناعة الحياة.
وبموازاة هذا الأثر فإن الواعظين يقومون بدور مهم داخل الجماعة وخارجها في إحلال التعادل مع آثار العقلانية الناتجة من كلام العلماء والمفكرين، ففى مباحث الفقه ومقارنات الفكر يبوسة وجفاف، ولابد من ترطيب النفوس بنداوة العاطفيات التى هى بضاعة الوعاظ، ليحصل هذا التعادل، وهذا ميزان مهم في مواصفات الدعوة النموذجية، ثم هو منهج حضارى عظيم الأهمية، فيكون وجود الوعاظ من أركان بناء الحضارة الإسلامية الجديدة، ويصدق عليهم وصف صناعة الحياة من هذه الجهة أيضًا، ويا لها من صناعة .
وقد استبشرنا بهذه الأمثلة الثلاثة لوضوحها، ولأنه من جنس ولعلنا، فهل نتفهم أيضًا دور الصناع الآخرين بمثل هذه الحماسة؟
منهم شعراء الدعوة، ووجودهم ضرورة من الضرورات، لأن بعض الناس أهل عقلانية، ولذلك نقنعهم بالمنطق والتأصيل والقواعد والمحاكمات الفكرية، وأما السواد الأعظم فتحركهم العواطف، ولا يمكن تحصيل ولائهم إلا بالمجازيات والأخيلة والسياحة في الأقاصى البعيدة للمعانى والأمثلة والاستعارات والمترادفات، وإذا كان تأثير المفكر والمفتى علميًا، فإن تأثير الشاعر أخلاقى من جهة، وهممى من جهة أخرى، يحبب للنفوس البذل، ويوجد فيها الاستعداد لركوب المصاعب، وبخاصة إذا نشر شراع الدعوة وقت هبوب الرياح، فينزل الشعراء ليضرموا حرارة التحدى ويغرسوا روح الهدم والبناء .