نرجع إلى الظواهر التى ننطلق منها لفهم نظرية صناعة الحياة من بعد كلامنا حول ظاهرتى الولاء والحركة فنقول: إن ظاهرة ثالثة تقترن بالثانية على وجه الخصوص يمكن أن نسميها: ظاهرة (السيطرة المستقبلية) ، وخلاصتها: أن الله تعالى - وهو مالك الملك والغيب والزمان - قد أذن لبعض خلقه أن يعلم بعض العلامات والقرائن الدالة على ما سيحدث في المستقبل، من غير جزم، إذ لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، ولكن بنوع ترجيح يقذف طمأنينة في قلب المؤمن، فيتصرف تصرفًا هادفًا متناسبًا مع ما يتوقعه من الأحداث، فيسيطر بذلك لا على يومه فقط من خلال إسلاف الحسنات التى تجلب له التيسير والتوفيق، وإنما على المستقبل أيضًا على مدى موسم أو سنة أو دهر طويل، من خلال وضع هدف له والسير نحوه بتخطيط، بإذن الله، مصارعًا القدر بالقدر، بشبه علم يسبق الأحداث يتنبأ به نبوءة صحيحة من غير جزم بها، تأدبًا مع الله تعالى عالم الغيب .
وسبل تعليم الله تعالى لعباده علم المستقبل هذا عديدة ، بعضها يردف بعضًا ويكمله ويشرحه .
منها: الرؤيا الصالحة، التى يراها المؤمن فتأتى كفلق الصبح، وهى جزء من ست وأربعين من أجزاء النبوة، كما في الحديث الصحيح، وإذا اقتربت الساعة ما تكاد رؤيا المؤمن تخطئ، وتصدق ولو بعد دهر، كصدق رؤيا يوسف عليه السلام، رآها وهو طفل، وصدقت بعد سنوات من اكتمال رجولته، وأبوه خلال ذلك يجزم بنجاة يوسف ويقول لبنيه: واعلم من الله ما لا تعلمون.