وأما السلب الثانى- وما أحسب وجود ثالث-: فهو جفلة الذى يتصل به الدعاة ويطلبون منه الولاء فإن الذى يقرأ هذا الكتاب ويعرف أننا نقيسه بقياس التابع الموالى الدائر في الفلك يكون أحد عنصرين: عنصر يقول: ولم لا؟ نعم أكون تابعًا بالحق، وعلى سنة الإيمان، والحياة الإسلامية كلها تعاون، ومن كان له فضل الاستاذية على وتعليمى الأدب الشرعى فبحق يطلب أن أواليه وأوافقه وأحب من يحبه وأستشيره في أمورى وأتحرى له المصالح وأدفع عنه الضرر وأعينه باللسان والجهد والمال، وما أجده قد طلب منى عسفًا، وكما آكل من غرس يده اليوم سأغرس غدًا ويأكل غيرى من غرس يدى، وما يزال الخير سندًا يتواصل ويستمر، والجيل من الجيل يستلم الراية، والحمد لله الذى أتاح لى الارتواء، وجعل لى مكانًا في سند الرواية، وآمل أن يمنحنى من بعد شرف السقاية.
وأما العنصر الآخر فيحيص متملصًا ويضجر، وتأخذه عزة خادعة ونوبة شمم وأنفة، فيشمخ ويقول: قد قللوا قدرى فجعلونى تابعًا، وأنا ابن جلًا وطلاع الثنايا، وحفيد الأكرمين وسليل الشرفاء، وجدى فلان، وخالى علان، فلا والله ما تبعتهم ولا أمنحهم هذا الولاء، بل أنا الأول المقدم والحر المستقل.
ولنفسه ظلم هذا الحسيب، وقد اختار التسكع يظنه الحرية، فإنا ما جئنا ننازعه الشرف، وإنما نجيؤه مسلمين مسالمين محيين، ونطلب منه النزول إلى ساحة خدمة الإسلام نحن وإياه على أخوة وسواء، فإن كان مثلنا في العلم والخبرة: فهو من صناع الحياة لا ضير، وهو المحور والقطب والبؤرة. وإن كان دوننا في العلم والخبرة: فالعلم قائد، ولذى الخبرة إمرة، وما ندعى في ذلك إرثًا من جد أظهر شرفًا من جده، ولكن الله قد حكم بين العباد، فمن قدمه الشرع تقدم، وتضم المتقدم والمتأخر قافلة، والجميع رهط الإيمان، يتكافلون ويتناصرون .
صناعة الحياة تجديد وإضافة .... ولا تنازع العرف القديم