وقالت أسماء بنت أبي بكر: لم نَدْر بالحال، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني غناءَ العرب والناس يتبعونه، يسمعون صوته ولا يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جَزَى الله ربُّ الناس خيرَ جزائه
رفيقين حَلاَّ خيمتَيْ أُمِّ مَعْبدِ
وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى.
الباب الثالث
في ذكر ما جرى له في طريقه إلى المدينة
قال أبو الحسن البراء: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار ليلة الخميس لغرة شهر ربيع الأول.
وذكر محمد بن سعد: أنه خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع خَلَوْن من ربيع الأول.
قلت: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثًا، وخرج معه أبو بكر، وعامر بن فُهَيرة، ودليلهم عبدالله بن أُرَيقط الليثي، وكان على دين قومه، فأخذ بهم طريقَ السواحل.
عن البَرَاء بن عازب قال: اشترى أبو بكر مِن عازبٍ سرجًا، فقال: مُرِ البَرَاءَ فليَحْمله إلى منزلي.
قال: لا، حتى تحدثنا كيف صنعتَ حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه؟
قال أبو بكر: خرجنا فأَدْلَجْنا فَأَحْثَثْنا يومَنا وليلتنا حتى أَظْهَرْنا وقام قائمُ الظهيرة، فضربتُ ببصري هل أرى ظلاًّ آوِي إليه، فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فإذا هو بقية ظلها، فسوَّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروةً وقلت: اضطجع يا رسول الله. فاضطجع.
ثم خرجتُ أنظر هل أرى أحدًا من الطَّلَب، فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمَنْ أنت يا غلام؟
فقال: لرجل من قريش. فسماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟
قال: نعم.
قلت: هل أنت حالب لي؟
قال: نعم. فأمرتُه فاعتقل شاةً منها، ثم أمرته فنفض ضرعَها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفَّه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة، فحلب لي كُثْبة من اللبن فصببت على القَدَح حتى بَرد أسفله.
ثم أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت.
ثم قلت: قد آن الرحيل.