قال المصنف: وقد اندسَّ جماعة من الملحدين في المسلمين، كأبي العلاء المعَرِّي، وابن الراوَندي قبله، فماتَا على أقبح صفة.
واندسَّ منهم جماعة في المحدِّثين، فوضعوا أحاديث يقصدون بها شَيْنَ الشريعة وتناقضها.
فأظهر الله علماءَ يكشفون فضائحهم، ويبينون الصوابَ من الخطأ.
وأظهر قومٌ التكهن، فأقبلوا يخبرون عن الغيوب، وأخذ قومٌ يتكلمون على ما في القلوب، والمنجِّم عمّا يكون غدًا.
كلُّ ذلك ليظهروا أن دين الإِسلام لم يأتِ بمعجزة.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
قال ابن عقيل: ومن أكبر الدلائل على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، أن الباري سبحانه إنما يُمْهل الكذاب يسيرًا ثم يستأصله بالعذاب.
فيجوز أن يُمَّهل من يكذب عليه سنين، ثم يثبِّت شريعته بعده؟
وقد أقدم على نسخ شريعتين قبله، وحلَّل السَّبْت، ثم ينصر أتباعه على الأمم ويؤيد حكمته بالإِعجاز؟
حاشاه أن يفعل ذلك، إذ لو فعله لم يُتَبين الصدقُ من المحال.
ألم تسمعه تعالى يقول: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَْقَاوِيلِ } (الحاقة: 44)
فمن طعن في صدقه طعن في عدل الباري وحكمته؛ لأن الطعن يتوجه على المعِين.
قال: ولقد فاضت أشعةُ معجزاته على أصحابه، فكتب عمر إلى نيل مصر ونادى ساريةَ فأسمعه، وجيء بكنوز كسرى فقسِّمت في مسجده صلى الله عليه وسلم.
ومثل ما بعث به، ومثل أمته ووجوب طاعته وتقديم محبته على النفوس صلى الله عليه وسلم
الباب الأول
في ذكر فضله على الأنبياءعليه وعليهم الصلاة والسلام
اعلم أن الله تعالى أنشأ النفوس مختلفة، فمنها الغاية في جودة الجوهرية، ومنها الكَدِر وفي كل رُتْبة درجات.
فالأنبياء هم الغاية، خُلقت أبدانهم سليمةً من العيب، فصَلُحت لحلول النفوس الكاملة، ثم يتفاوتون.
فكان نبينا صلى الله عليه وسلم أصح الأنبياء مزاجًا، وأكملَهم بدنًا، وأصفاهم روحًا.
وبمعرفة ما نذكره من أخلاقه وصفاته يبين ذلك.