قال المصنف رحمه الله: فلما تحيَّروا عند سماع القرآن وأدهشهم وسكتوا نودي عليهم بالعجز عن مماثلته، بقوله تعالى: { فَأتوا بسورةٍ مِنْ مثله} ، ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }
(البقرة: 24)
ومعلوم أن النفوس الأبيَّة إذا قُرعت بمثل هذا استفرغت الوُسْع.
فلما عَدَلوا إلى المحاربَة والقتال، ورضوا بسَبْي الذراري وأَخْذ الأموال، عُلم عَجْزهم، وهم معدن البلاغة والفصاحة، والقرآنُ من جنس كلامهم.
ولما أقدم مُقْدِمهم على معارضته نظر إلى السُّورَ القصار فعارضها، لأن تأليف الطوال تبين به الفصاحة الزائدة على الحد.
فعارض سورة الفيل فقال: الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل وخرطوم طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل. وقال: يا ضفدع تأنيث ضفدعين نُقي كم تنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الماء تكدِّرين ولا الشراب تمنعين. قال: ومن العجائب شاة سوداء تحلب لبنًا أبيض.
فظهرت فضائحهم بمثل هذا، ولو سكتوا كان أصلح لهم.
وممن طُمِس على قلبه أبو العلاء المَعَرِّي، فإنه جمع كلامًا سماه: «الفصول والغايات» يعارض بزعمه السور والآيات، وقد رأيته فما رأيت أبردَ من ذلك الكلام ولا أسمجَ
وقد جعله على حروف المُعْجم في آخر كلماته، فمن حرف الألف: «كان النعال على عصى الطَّلح يعارضون الركائب في الهوادج والظلماء تستغفر لهم، فخَبَّ القمر وضياء الشمس، وهنيئًا لتاركي النُّوق طلائح في غيطان الفلاة يحوم عليها ابن داية، ويطيف بها السرحان، وسنان أوراك، ترد الألبان لبنها أقعد من الغطاء» .
وكله من هذا الجنس البارد.
قال ابن عقيل: وحكى لي أبو محمد بن مسلم النحوي قال: كنا نتذاكر إعجازَ القرآن، وكان ثمَّ شيخ كبير الفضل، فقال: ما فيه يَعْجز الفضلاء عنه.