ثم ترقى إلى غرفة ومعه صحيفة ومحبرة، ووعد أنه سيناديهم بعد ثلاث أيام بما يَعْلمه مما يضاهي القرآن.
فلما انقضت الأيام الثلاثة، صعد واحد فوجده مستندًا يابسًا وقد جفت يده على القلم.
قلت: وقد كان المرتضَى العَلَوي يقول بالصِّرْفة، وأن الله تعالى صرف العرب عن الإِتيان بمثله، لا أنهم عجزوا.
قال ابن عقيل: الصَّرْفُ عن الإِتيان بمثله دالٌّ على أن القدرة لهم حاصلة، فإن كان في الصَّرْف نوعُ إعجاز، إلا أن كونَ القرآن في نفسه ممتنعًا على الإِتيان بمثله لمعنىً نعود إليه أكبرُ في الدلالة وأعلَمُ لفضيلة القرآن.
وما قولُ مَنْ قال بالصِّرْفة إلا بمثابة مَنْ قال: إن عيون الناظرين إلى عصى موسى تخيَّل لهم أنها حية وثعبان، لا أنها في نفسها انقلبت.
قال: والتحدِّي للمصروف عن الشيء لا يَحْسُن، كما لا يُتَحدَّى العَجم بالعربية.
هذا قول ابن عقيل.
وأنا أقول: إنما يُصْرفون عن الشيء بتغيير طباعهم عند نزوله أن يقدروا على مثله.
فهل وجِد لأحد منهم قَبْل الصِّرْفة منذ وجد العرب كلامٌ يقاربه مع اعتمادهم الفصاحة؟
والثالث في معجز القرآن: ما تضمن من أخبار الأمم السالفة وسير الأنبياء التي عرفها أهل الكتب، مع كون الآتي بها أميًّا لا يكتب ولا يقرأ، ولا عُلِم بمجالسة الأحبار ولا الكهان، ومن كان من العرب يكتب ويقرأ ويجالس علماء الأحبار لم يُدْرِك ما أخبر به القرآن.
والرابع: إخباره عن الغيوب المستقبلَة الدالة على صدقه قطعًا لوقوعها على ما أخبر، كقوله: {فتمنَّوا الموت} ثم قال: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاَْخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ }
(البقرة: 94، 95)