قال أبو الوفا علي بن عقيل: إذا أردت أن تَعْلم أن القرآن ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو مُلْقًى إليه، فانظر إلى كلامه كيف يمتاز عن القرآن، وتلمَّح ما بَيْن الكلامين والأسلوبين، ومعلوم أن كلام الإِنسان يتشابه وما للنبي صلى الله عليه وسلم كلمةٌ تُشَاكر نَمَط القرآن.
قال ابن عقيل: ومن إعجاز القرآن أنه لا يمكن أحدًا أن يَسْتخرج منه آيةً قد أخذ معناها من كلام قد سبق، فإنه ما زال الناس يَكْشف بعضهم عن بعض فيقال: المتنبي أخذ من البحتري.
قال: وقد سئل علي بن عيسى فقيل له: لو كان هذا الكتاب العزيز يترجم ما الذي كان ينبغي (أن) يترجم به؟
فقال: كان ينبغي أن يترجَم بآية منه لا بشيء من كلامنا.
قالوا: وما هذه الآية التي يترجم بها؟
قال: قوله تعالى: {هَاذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُو?اْ أَنَّمَا هُوَ اله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } (إبراهيم: 52)
قال ابن عقيل: ما أصاب ابنُ عيسى عندي، لأنه إنما يترجم الكتاب تعريفًا لئلا يختلط كتاب بكتاب، فإذا كان هذا الكتاب ممتنع النظير سيوجد النظر في نفسه لا يختلط به غيره، فلماذا يترجم؟
ولو جاز أن يترجم كما تترجم الكتب مع تمييزه بإعجازه وعدم اختلاطه بغيره، وليُعْلم كلام من هو، وتأليف من هو، كعادة آيات الكتب جاز أن يُكتب على جبهة الحيوانات:
كالفرس، والبعير، وعلى جبهة الآدمي: هذا صنعة الله
فلمَّا لم يحسن ذلك للعلة التي بيَّنتها بطل أن الترجمة سائغة.
وأنا لا أسوِّغ له ترجمة.
ولو وجدنا هذا المصحف العزيز ملقًى في بَرِّية، ما جاء به أحد، أخبرَنا بما فيه من الدليل أنه من عند الله.
فكيف وقد جاء به المعصوم مؤيدًا بالمعجزات؟
قال المصنف رحمه الله: وقد استخرجت معنيين عجيبين:
أحدهما: أن معجزات الأنبياء ذهبت بموتهم، فلو قال ملحدٌ اليوم: أي دليل على صدق محمد وموسى؟
فقيل له: محمد شُقَّ له القمر، وموسى شق له البحر.