«قد ترك نفسه من ثلاث: المِرَاء والإكثار وما لا يَعْنيه (وتَرك الناسَ من ثلاث، وكان لا يذم أحدًا ولا يعيبه) ولا يطلب عورةَ أحد، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابَه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديثَ، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يَفْرغ. (حديثُهم عنده حديثُ أولهم) ، يضحك مما يضحكون منه ويتعجَّب مما يتعجبون به، قد صبَرَ للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إنْ كان أصحابه يَسْتجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالبَ حاجة فارفدوه. ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز (فيقطعه) بنَهْي أو قيام» .
قال الحسن: فكتمتُها الحسينَ زمانًا، ثم حدثَّته بها فوجدته فد سبقني إليه،
فسأله عما سألته عنه، ووجدتُه سأل أباه عن مَدْخله ومَخْرجه.
قال الحسين: سألت أبي عند دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
كان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثةَ أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه. ثم جزَّأ جُزْأه بينه وبين الناس، فردَّ ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدَّخر عنهم منه شيئًا.
وكان مِنْ سيرته في جزء الأمة؛ إيثارُ أهل الفضل على قدر فضلهم، فمنهم ذو الحاجة والحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم مِنْ مَسْألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: «ليُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبُلغوني حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها، فإنه مَنْ أَبْلغ سلطانًا حاجةَ من لا يستطيع إبلاغَها ثبَّتَ الله قدميه يوم القيامة» يدخلون روّادًا ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلةً على الخير.
قال المصنف: قوله: «فرّد بالخاصة» أي يعتمد على أن الخاصة ترفع إلى العامة علومَه. والذواق: العلم.