ثم رجعت به أيضًا، فكان عندها سنة أو نحوها لا تدعه يذهب مكانًا بعيدًا. ثم رأت غمامة تظله إذا وقف وقفت وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك من أمره، فقدمت به إلى أمه لترده وهو ابن خمس سنين.
وروي أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف أول شأنك يا رسول الله؟
قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهْم لنا ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم.
فأقبلا يبتدران فأخذاني فبطحاني إلى القفا، فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: أيتني بماء ثلج. فغسلا به جوفي، ثم قال: أيتني بماء برَد. فغسلا به قلبي. ثم قال: ايتني بالسَّكينة. فذرَّاها في قلبي. ثم قال أحدهما لصاحبه: خطْه. فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة. وقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة. فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرَّ عليَّ بعضُهم. فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم.
ثم انطلقا وتركاني وقد فرقتُ فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيت فأشفقت على أن يكون التبس بي. فقالت: أعيذك بالله. فحملتني على الرحل وركبت خلفي، حتى بلغت إلى أمي فقالت: أديتُ أمانتي وذمتي وحدثتها بالذي لقيت.
فلم يرُعها ذلك وقالت: إني رأيت حين خرج مني نورًا أضاءت منه قصور الشام.
عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه وشقَّ عن قلبه فاستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظُّ الشيطان منك.
فغسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه.
وجاء الغلماء يسعون إلى أمه ــــ يعني ظئره ــــ فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو ممتقع.