فإن الإنسان وإن بلغ نهاية الكمال في الإنسانية فإن منزلته عند ذوي العقول الإلهية منزلة الصبي والحدث والغمر عند الإنسان الكامل؛ فكما أن كثيرا من الصبيان والأغمار يستنكرون بعقولهم أشياء كثيرة مما ليست في الحقيقة منكرة ولا غير ممكنة، ويقع لهؤلاء أنها غير ممكنة، فكذلك منزلة من هو في نهاية كمال العقل الإنسي عند العقول الإلهية.
وكما أن الإنسان من قبل أن يتأدب ويتحنك يستنكر أشياء كثيرة ويستبشعها ويخيل إليه فيها أنها محالة، فإذا تأدب بالعلوم واحتنك بالتجارب زالت عنه تلك الظنون فيها، وانقلبت الأشياء التي كانت عنده محالة فصارت هي الواجبة وصار عنده ما كان يتعجب منه قديما في حد ما يتعجب من ضده، كذلك الإنسان الكامل الإنسانية لا يمتنع من أن يكون يستنكر أشياء ويخيل إليه أنها غير ممكنة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك.
فلهذه الأشياء رأى هؤلاء أن يجعل تصحيح الملل: فإن الذي أتانا بالوحي من عند الله جلّ ذكره صادق لا يجوز أن يكون قد كذب.
ويصح أنه كذلك من أحد وجهين: إما بالمعجزات التي يعقلها أو تظهر على يديه، وإما بشهادات من تقدم قبله من الصادقين المقبولي الأقاويل على صدق هذا ومكانه من الله جلّ وعزّ أو بهما جميعا.
فإذا صححنا صدقه بهذه الوجوه وأنه لا يجوز أن يكون قد كذب فليس ينبغي أن يبقى بعد ذلك في الأشياء التي يقولها مجال للعقول ولا تأمل ولا روية ولا نظر.
فبهذه وما أشبهها رأى هؤلاء أن ينصروا الملل.
وقوم منهم آخرون يرون أن ينصروا الملة بأن ينصبوا لها أولا جميع ما صرّح به واضع الملة بالألفاظ التي بها عبر عنها، ثم يتتبعون المحسوسات والمشهورات والمعقولات: فما وجدوا منها أو من اللوازم عنها، وإن بعد، شاهدا لشيء مما في الملة نصروا به ذلك الشيء؛ وما وجدوا منها مناقضا لشيء مما في