فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 291

علم الكلام.

وصناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل.

وهذه الصناعة تنقسم جزءين أيضا: جزء في الآراء، وجزء في الأفعال.

وهي غير الفقه: لأن الفقيه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة، ويجعلها أصولا فيستنبط منها الأشياء اللازمة عنها. والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها أشياء أخرى. فإذا اتفق أن يكون لإنسان ما قدرة على الأمرين جميعا فهو فقيه متكلّم فتكون نصرته لها بما هو متكلم، واستنباطه عنها بما هو فقيه.

وأما الوجوه والآراء التي ينبغي أن تنصر بها الملل، فإن قوما من المتكلمين يرون أن ينصروا الملل بأن يقولوا إن آراء الملل وكل ما فيها من الأوضاع ليس سبيلها أن تمتحن بالآراء والروية والعقول الإنسية، لأنها أرفع رتبة منها: إذ كانت مأخوذة عن وحي إلهي، ولأن فيها أسرارا إلهية تضعف عن إدراكها العقول الإنسية ولا تبلغها.

وأيضا فإن الإنسان إنما سبيله أن تفيده الملل بالوحي ما شأنه أن لا يدركه بعقله وما يخور عقله عنه، وإلا فلا معنى للوحي ولا فائدة إذا كان إنما يفيد الإنسان ما كان يعلمه وما يمكن إذا تأمله أن يدركه بعقله. ولو كان كذلك لو كل الناس إلى عقولهم، ولما كانت بهم حاجة إلى نبوة ولا إلى وحي. ولكن لم يفعل بهم ذلك: فلذلك ينبغي أن يكون ما تفيده الملل من العلوم ما ليس فيه طاقة عقولنا إدراكه؛ ثم ليس هذا فقط، بل وما تستنكره عقولنا أيضا، فإن كل ما كان أشد استنكارا عندنا كان أبلغ في أن يكون أكثر فوائد؛ وذلك أن التي تأتي بها الملل مما تستنكره العقول وتستبشعه الأوهام ليست هي في الحقيقة منكرة ولا محالة، بل هي صحيحة في العقول الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت