من حيث تتيقن أذهاننا وكيف نسعى بأذهاننا على شيء شيء منها إلى أن نفضي لا محالة إلى ملتمسنا، ونكون مع ذلك قد عرفنا جميع الأشياء المغلّطة لنا والملبّسة علينا فنتحرز منها عند سلوكنا. فعند ذلك نتيقن فيما نستنبطه أنّا صادفنا فيه الحق ولم نغلط. وإذا رابنا أمر شيء استنبطناه فخيل إلينا أنّا قد سهونا عنه امتحناه من وقتنا: فإن كان فيه غلط شعرنا به وأصلحنا موضع الزلل بسهولة.
وتلك تكون حالنا فيما نلتمس تصحيحه عند غيرنا: فإنّا إنما نصحح الرأي عند غيرنا بمثل الأشياء والطرق التي تصححه عند أنفسنا؛ فإن نازعنا في الحجج والأقاويل التي خاطبناه بها في تصحيح ذلك الرأي عنده، وطالبنا بوجه تصحيحها له، وكيف صارت تصحح ذلك الرأي دون أن تصحح ضده، ولم صارت أولى من غيرها بتصحيح ذلك الرأي، قدرنا أن نبين له جميع ذلك.
وكذلك إذا أراد غيرنا أن يصحح عندنا رأيا ما، كان عندنا ما نمتحن به أقاويله وحججه التي رام أن يصحح بها ذلك الرأي: فإن كانت في الحقيقة مصححة تبين من أي وجه تصحح، فنقبل ما نقبله من ذلك عن علم وبصيرة.
وإن كان غالط أو غلط تبين من أي وجه غالط أو غلط، فنزيّف ما نزيفه من ذلك عن علم وبصيرة.
وإذا جهلنا المنطق كانت حالنا في جميع هذه الأشياء بالعكس وعلى الضد. وأعظم من جميع ذلك وأقبحه وأشنعه وأحراه أن يحذر ويتقى هو ما يلحقنا إذا أردنا أن ننظر في الآراء المتضادة أو نحكم بين المتنازعين فيها، وفي الأقاويل والحجج التي يأتي بها كل واحد ليصحح رأيه ويزيّف رأي خصمه:
فإنّا إن جهلنا المنطق لم نقف من حيث نتيقن على صواب من أصاب منهم كيف أصاب ومن أي جهة أصاب، وكيف صارت حجته توجب صحة رأيه، ولا على غلط من غلط منهم أو غالط كيف ومن أي جهة غالط أو غلط وكيف صارت حجته لا توجب صحة رأيه، فيعرض لنا عند ذلك إما أن نتحيّر في الآراء كلها حتى لا ندري أيها صحيح وأيها فاسد، وإما أن نظن أن جميعها على تضادها حق، أو نظن أنه ليس ولا في شيء منها حق؛ وإما أن نشرع تصحيح بعضها وتزييف بعضها، ونروم تصحيح ما نصحح وتزييف ما نزيف من حيث