فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 291

لا ندري من أي وجه هو كذلك. فإن نازعنا منازع فيما نصححه أو نزيفه لم يمكنّا أن نبين له وجوه ذلك؛ وإن اتفق أن كان فيما صححناه أو زيفناه شيء هو في الحقيقة كذلك لم نكن على يقين في شيء من هذين أنه في الحقيقة كما هو عندنا، بل نعتقد ونظن في كل ما هو صحيح عندنا عسى أن يكون فاسدا أو فيما هو عندنا فاسد عسى أن يكون صحيحا، وعسى أن نرجع إلى ضد ما نحن عليه في الأمرين جميعا، وعسى أن يرد علينا وارد من خارج أو من خاطر يسنح في أنفسنا فيزيلنا هو عندنا اليوم صحيح أو فاسد إلى ضده، فنكون في جميع ذلك كما يقال في المثل: حاطب ليل! وهذه الأشياء تعرض لنا في الناس الذين يدعون عندنا الكمال في العلوم:

فإنّا إن جهلنا المنطق ولم يكن معنا ما نمتحنهم به فإما أن نحسن الظن بجميعهم، وإما أن نتهم جميعهم، وإما أن نشرع في أن نميز بينهم، فيكون كل ذلك منا بلا تثبت ومن حيث لا نتيقن، فلا نأمن أن يكون فيمن أحسنا به الظن مموّه مشنّع، فيكون قد نفق عندنا المبطل وأيدنا من سخر منا ونحن لا نشعر، أو يكون فيمن اتهمناه محق، فنكون قد اطرحناه ونحن لا نشعر.

فهذه مضرة جهلنا بالمنطق ومنفعة علمنا به. وبيّن أنه ضروري لمن أحب أن لا يقتصر في اعتقاداته وآرائه على الظنون، وهي الاعتقادات التي لا يأمن صاحبها عند نفسه أن يرجع عنها إلى أضدادها؛ وليس بضروري لمن آثر المقام والاقتصاد في آرائه على الظنون وقع بها.

وأما من زعم أن الدربة بالأقاويل والمخاطبات الجدلية أو الدربة بالتعاليم، مثل الهندسة والعدد، تغني عن علم قوانين المنطق أو تقوم مقامه وتفعل فعله وتعطي الإنسان القوة على امتحان كل قول وكل حجة وكل رأي، وتسدّد الإنسان إلى الحق واليقين حتى لا يغلط في شيء من سائر العلوم أصلا، فهو مثل من زعم أن الدربة والارتياض بحفظ الأشعار والخطب والاستكثار من روايتها يغني في تقويم اللسان وفي أن لا يلحن الإنسان، في قوانين النحو، ويقوم مقامها ويفعل فعلها وأنه يعطي الإنسان قوة يمتحن بها إعراب كل قول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت