هل أصيب فيه أو لحن. فالذي يليق أن يجاب به في أمر النحو هاهنا هو الذي يجاب به في أمر المنطق هناك.
وكذلك قول من زعم أن المنطق فضل لا يحتاج إليه، إذ كان يمكن أن يوجد في وقت ما إنسان كامل القريحة لا يخطئ الحق أصلا من غير أن يكون قد علم شيئا من قوانين المنطق، كقول من زعم أن النحو فضل، إذ قد يوجد في الناس من لا يلحن أصلا من غير أن يكون قد علم شيئا من قوانين النحو، فإن الجواب عن القولين جميعا جواب واحد.
وأما موضوعات المنطق، وهي التي فيها تعطى القوانين، فهي المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، والألفاظ من حيث هي دالّة على المعقولات.
وذلك أن الرأي إنما نصححه عند أنفسنا بأن نفكر ونروي ونقيم في أنفسنا أمورا ومعقولات شأنها أن تصحح ذلك الرأي؛ ونصححه عند غيرنا بأن نخاطبه بأقاويل نفهمه بها الأمور والمعقولات التي شأنها أن تصحح ذلك الرأي.
وليس يمكن أن نصحّح أي رأي اتفق بأي معقولات اتفقت، ولا أن نوجد تلك المعقولات بأي عدد اتفق ولا بأي أحوال وتركيب وترتيب اتفق، بل نحتاج في كل رأي نلتمس تصحيحه إلى أمور ومعقولات محدودة وإلى أن تكون بعدد ما معلوم، وعلى أحوال وتركيب وترتيب معلوم. وتلك ينبغي أن تكون حال ألفاظها التي بها تكون العبارة عنها عند تصحيحها لدى غيرنا. فلذلك نضطر إلى قوانين تحوطنا في المعقولات وفي العبارة عنها، وتحرسنا من الغلط فيها. وكلتا هاتين أعني المعقولات والأقاويل التي بها تكون العبارة عنها يسميها القدماء «النطق والقول» : فيسمون المعقولات القول، والنطق الداخل المركوز في النفس والذي يعبّر به عنها القول، والنطق الخارج بالصوت والذي يصحح به الإنسان الرأي عند نفسه هو القول المركوز في النفس، والذي يصححه به عند غيره هو القول الخارج بالصوت. فالقول الذي شأنه أن يصحح رأيا ما يسميه القدماء «القياس» ، كان قولا مركوزا في النفس أو خارجا بالصوت.
فالمنطق يعطي القوانين التي سلف ذكرها في القولين جميعا.